لماذا تحالف الهلال الأحمر القطري مع أبو السبعين؟

ياسر الغرباوي

من وقائع رحلتي في غرب دافور لبناء السلام في العام 2015 جلست في اجتماع مهم بين شيوخ المزارعين وشيوخ الرعاة في قرية “أرارا ” بغرب دارفور، مع الدكتور “أبو بكر صالح ” والمهندس “حسن”، لأجل التفكير في حل لمشكلة هجوم القطعان، والرعاة على أراضي المزارعين. فسأل الشيخ أدم شيوخ قبائل الرعاة: “لماذا تهجم إبلكم وأبقاركم على الأراضي الزراعية؟” فقالوا: “نحن لا نريد الضّرر لأحد، ولا نتعمّد مهاجمة إخواننا المزارعين إطلاقا، ولكن نتيجة الجفاف في المنطقة أصبحنا لا نجد الكلأ الكافي لإطعام الحيوانات، ومع عطش وجوع الحيوانات، صارت تهرب منا، وتشرد إلى أماكن المزارعين، فالأمر ليس بإرادتنا، إنما هو الجوع يدفع الحيوانات قبل أن يدفعنا، فما الحيلة؟!”

ثم قال الشيخ يحيى شيخ قبائل الرعاة: “المطر بيد الله سبحانه، وإنبات العشب ليس بأيدينا نحن! فالأمر كله لله يصرفه كيف يشاء.” ثم زاد النقاش، وعلا الحوار بين الجموع، وحينها قال أحد شيوخ الرعاة: “لديّ حل ممتاز سيُعالج مشكلة الجفاف، ويطمئن المزارعين!” فالتفت إليه الجميع، متشوّقين لسماع رأيه، فقال: “الحل أن يُوفر لنا الهلال الأحمر القطري أعلافا للحيوانات.” وهنا تكلم الدكتور أبو بكر أحد مشرفي العمل الميداني للهلال الأحمر القطري في المنطقة وقال: “هذا أمر مستحيل تنفيذه، لأنه يحتاج إلى ميزانية ضخمة جدا خارج قدرات الهلال الأحمر. وثانيا الكميات المطلوبة ضخمة جدا. فتهاوي هذا الحل المُقدم من قبل شيخ الرعاة، ولكن الحوار في الجلسة وفق كلام الشيح يحيى استمر، حتى تكلم المهندس “حسن “- مدير بعثة الهلال الأحمر القطري في غرب دارفور، وبحكم عمله السابق في منظمة “الفاو” المُهتمة بالزراعة حول العالم- قال: “أنا أعرف أنواع الحشائش الموجودة في غرب دارفور، وخاصة تلك التي تتغذى عليها القطعان من الإبل والأغنام وأن أشهرها نوع اسمه “أبو السبعين “، فما رأيكم لو تعاون الجميع في بذر بذور هذه الحشائش في موسم الجفاف وقبل هطول المطر على المراعي، حتى إذا جاء المطر نبتت هذه الحشائش مرةً أخرى بغزارة مُوفرةً الكلأ للإبل؟” من ثم لا تهاجم حقول الفلاحين.

فوافق جميع الجمهور من الرعاة والفلاحين على تجربة الفكرة في الموسم الحالي، ورؤية النتائج وما سيحدث من تطورات في الموضوع، وفعلا تولت لجنة “حماية الموسم الزراعي ” تنفيذ المشروع. وقد قامت اللجنة بمساعدة الأهالي في زراعة عشرة آلاف هكتار بعشبة “أبو السبعين”، ومع هطول الأمطار تحولت الأرض القاحلة الصفراء إلى جنة خضراء، ونجحت التجربة الأولى. وبعد ذلك تم تعميمها على باقي المناطق. وقبل وداع الشيخ يحيى، قدم لنا الرجل هدية جميلة وغير متوقعة ولا يمكن تخيلها؛ إذ أهدانا أعوادا من قصب السكر التي يزرعها في حقله، وقال لي بكل عفوية وبساطة: “تمتع بمذاق هذه الأعواد وأنت في الطريق “، تكشف لنا هذه التجربة المحلية في بناء السلام، أن البحث عن بدائل مفيدة في إنهاء الصراع والعنف بين الناس؛ تنبع من مشاركة أهالي المناطق المتضررة في الحلول، من داخل البيئة المحلية، وعدم اعتماد الوصفات الجاهزة التي تأتي من جهات بعيدة كل البعد عن العمل الميداني.

عن ياسر الغرباوي

شاهد أيضاً

ما هي المشتركات الأربعة التي تجمع مصر وسلطنة عُمان؟

كانت زيارتي الأخيرة لمسقط ومطرح رحلة مختلفة تمامًا؛ لم تكن مجرد زيارة لبلد يحتفل بعيده الوطني، بل كانت عودة إلى جزء قديم من طفولتي ظلّ ساكنًا في أعماقي منذ عام 1978. يومها كان والدي – أطال الله عمره – يعمل في مدرسة سلطان بن أحمد في حي الزبادية، وكانت تلك السنوات الأولى التي تعرّفت فيها على روح عُمان، وهدوئها، وطيبة أهلها. حين ذهبت إلى المدرسة نفسها قبل أيام، وتوقّفت أمام بوابتها القديمة، شعرتُ وكأن الزمن قد فتح لي بابًا صغيرًا إلى الماضي؛ رأيت الطفل الذي كنته، يمشي مع أبيه في شوارع مطرح القديمة، يسمع ضحكاته، ويشعر بأثر تلك الأيام في تكوين شخصيته لاحقًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *