المثقفون والأمل
المثقفون والأمل

إلى المثقفين: لعلَّ الله يُحدِث بعد ذلك أمرًا

ياسر الغرباوي*

عربي 21

ثمة مأزق خفي يترصد المثقف والداعية والمصلح والمهتم بالشأن العام؛ فقد تأتي معاناته أحيانًا لا من قلة المعرفة، بل من كثرتها. فالعيش الطويل بين الكتب والأفكار والتجارب التاريخية يصنع في الذهن عالمًا مثاليًا، ثم يخرج صاحبه إلى الحياة فيصطدم بعالم البشر كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.

ومن هنا تبدأ الفجوة بين المثال والواقع.

المثقف يقرأ عن الدولة العادلة، والحكم الرشيد، والمجتمع المتماسك، والقيم النبيلة، وتجارب الأمم التي نهضت بعد ضعف، ثم ينظر إلى واقعه فيرى النقص والتناقض والبطء. وليس الخطر في امتلاك المثال؛ فبدون المثال يموت الإصلاح، وإنما يبدأ الخطر حين يتحول المثال من بوصلة نهتدي بها إلى محكمة نحاكم بها الواقع في كل لحظة.

وقد عبر إدوارد سعيد عن هذا المأزق حين تحدث عن المثقف بوصفه شخصًا يعيش، بمعنى ما، حالة من المنفى؛ لا يندمج تمامًا فيما حوله، ويبقى قلقًا ومتحركًا وعلى مسافة نقدية من السائد. وهذه المسافة تمنح المثقف قدرته على النقد، لكنها قد تتحول أيضًا إلى شعور دائم بالغربة إذا لم يتعلم كيف يعيش داخل المجتمع الذي ينتقده.

وهناك خدعة أخرى تصنعها القراءة: إنها تضغط الزمن.

نقرأ في أيام قليلة كتابًا يروي نهضة أمة استغرقت خمسين عامًا، وننتقل في عشر صفحات من الحرب إلى السلام، ومن الاستبداد إلى بناء المؤسسات، فنشعر بأن التاريخ يتحرك بسرعة. لكن الذين عاشوا تلك التجربة لم يقلبوا عشر صفحات؛ بل عاشوا عشرات السنين بما فيها من فشل وانتظار وتراجع ومحاولات ناقصة.

الكتب تضغط الزمن، أما الحياة فلا تضغطه.

ولهذا قد يطلب المثقف من واقعه سرعةً في التغيير لم يعرفها التاريخ نفسه؛ فإذا لم تتحقق أحلامه سريعًا، انتقل من النقد إلى السخط، ومن السخط إلى المرارة، وربما انتهى به الأمر إلى العبارة الأخطر: «لا فائدة». وهنا يجد المثقف بعض السَّلوان في حكمة العارف بالله ابن عطاء الله السكندري، حين قال: «سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار»؛ تذكيرًا بأن قوة الإرادة وصدق السعي لا يعنيان أن تجري التحولات دائمًا وفق ما نشتهي، أو بالسرعة التي نريد.

والقرآن الكريم يقدم لنا تصورًا مختلفًا؛ فالمقامات الكبرى نفسها تبدو مسارات للسعي وليست محطات للوصول: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. فالهدى مسار، والإيمان مسار، والتقوى مسار. وكذلك نهضة المجتمعات؛ فالحكم الرشيد، وسيادة القانون، والتعليم الجيد، وترسيخ القيم وبناء المؤسسات عمليات تراكمية لا انتقالات فجائية.

وهنا تحضر تجربة ألبير كامو بصورة لافتة. فقد انشغل بالتوتر بين تطلع الإنسان إلى المعنى واصطدامه بعالم لا يستجيب دائمًا لتطلعاته، لكنه لم يجعل هذا التوتر مبررًا للاستسلام؛ بل ربطه بفكرة المقاومة والاستمرار في الفعل ومواجهة الظلم، مع إدراك حدود الإنسان والعالم.

وهذا قريب من حاجتنا إلى مثال يدفعنا إلى العمل، لا إلى مثال يجعل الحياة كلها تبدو فاشلة لأنها لم تطابق أحلامنا. المشكلة إذن تبدأ عندما يعيش جسد المثقف في الحاضر، بينما يسكن عقله طوال الوقت في المستقبل المنشود.

يريد مجتمعًا كاملًا، ثم يربط رضاه النفسي بتحقق هذا المجتمع، فيدخل في خصومة دائمة مع الحياة والحل ليس التصالح مع الظلم أو خفض سقف القيم، وإنما التمييز بين قبول وجود الواقع والرضا عنه. يمكنني أن أرفض الفساد والتخلف، وأن أعمل على تغييرهما، وفي الوقت نفسه أفهم أن إصلاح المجتمعات يحتاج إلى وقت وتراكم وأجيال. ولعل القاعدة الأهم للمثقف هي أن يقيس الاتجاه، لا المسافة وحدها. فبدلًا من أن يسأل نفسه كل يوم: كم بقي بين واقعنا والمثال الذي ننشده؟ يسأل: هل نتحرك في الاتجاه الصحيح؟

وحين ينظر إلى الواقع بهذه العين، يصبح أكثر قدرة على رؤية ما تحقق: فهذه مدرسة تحسّن أداؤها، وتلك مؤسسة ازدادت كفاءة، وهذا كتاب أسهم في تغيير وعي بعض الناس، وهذا قانون أصبح أكثر عدلًا، وتلك مبادرة أصلحت جانبًا من حياة المجتمع. قد تبدو هذه الإنجازات صغيرة إذا قيست بصورة المدينة الفاضلة في الذهن، لكنها، في ميزان التاريخ، هي اللبنات التي تتراكم منها التحولات الكبرى.

فالمثال، إذن، ليس مكانًا ننتظر الوصول إليه لنقيم فيه، بل أفقٌ نهتدي به ونسير نحوه. وليس مطلوبًا من المثقف أن يرى العالم كاملًا في حياته، وإنما أن يترك الجزء الذي مر به من العالم أفضل قليلًا مما وجده. حين يدرك ذلك، يتحرر من عبء انتظار اكتمال التاريخ، ويكتفي بدور أكثر تواضعًا، لكنه أكثر تأثيرًا: أن يكون شريكًا في صناعته.

*باحث في بناء السلام وفض النزاعات

 

 

عن ياسر الغرباوي

شاهد أيضاً

بطولة أحمد الأحمد والتاريخ يهدِمان السردية الصهيونية

ياسر الغرباوي في مساءٍ صيفيٍّ هادئ على شاطئ بوندي في سيدني، كانت عائلات يهودية تحتفل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *