الرئيسية تقارير ومقالات رسالة إلى عقل مصر العسكري

رسالة إلى عقل مصر العسكري

0 ثانية
1
0
42,388

ياسر الغرباوي

الجيش المصري له فى وجدان المصريين ومشاعرهم منزلة مُقدرة ؛فالدولة المصرية الحديثة ساهم فى تكوينها ونشأتها الجيش بداية من تجربة محمد على التاريخية، مروراً بتجربة الضباط الأحرار فى عام 1952 وانتهاءً بإنتصار السادس من أكتوبر عام 1973، وهذه المكانة السامية تستند على ميراث تاريخي قديم يعتمد على أن الجيش هو حامى حمى الديار والحدود من العدوان الخارجي، لم يتورط عبر تاريخيه الطويل فى معارك داخلية دموية مع مكونات الشعب المصري المُختلفة؛ وبناء هذه الصورة الذهنية الناصعة فى وجدان المصريين عن الجيش استغراق عديد السنوات، وسيلاً من الجهود الإعلامية والثقافية والفنية،وتعرضت كذلك للعديد من الإنكسارات والاخفاقات خاصة بعد هزيمة 1967؛ فلم يتم ترميم هذه الصورة الواجدنية بشكل جاد إلا بعد انتصار القوات المُسلحة فى يوم6 أكتوبر وعبورها لخط بارليف الحصين ،ثم تدعمت هذه النظرة الشعبية الإيجابية تجاه الجيش لدوره فى ثورة 25 يناير2011 وتدخله لعزل الرئيس/ مبارك، ثم شغبت أشياء كثيرة على هذه الصورة فى فترة حكم المجلس العسكري للبلاد عقب الثورة ، ثم أصبح الوجدان الجماهيري العام تجاه الجيش أكثر صفاءً ونقاءً بعد تسليم المجلس العسكري السلطة لأول رئيس مصري مُنتخب بشكل مباشر يوم الأحد 24 يونيو 2012، ثم تسارعت الأحداث وتطورت حتى وصلنا إلي يوم 3/7/3013 عندما تدخل الجيش ومن خلال وزير دفاعه الفريق أول/ عبد الفتاح السيسي وقام بعزل الرئيس / محمد مرسي ؛ وهنا يكمن الخطر حيث بدأت صورة الجيش تهتز فى وجدان قطاعات غير قليلة من الشعب وخاصة شريحة الشباب؛ فأصبح هناك نقاش مجتمعي حول دور الجيش ومهامه وفلسفة عمله؟؟؛ ولذلك من المفيد للجيش والدولة المصرية أن تراجع المؤسسة العسكرية سياسياتها الداخلية ورؤيتها الإستراتيجية حول علاقتها بالشأن السياسي، وطبيعة العلاقات المدنية العسكرية فى ظل أجواء ثورات الربيع العربي، وارتفاع سقف طموحات الشعب المصري نحو الحرية والمساواة والكرامة،و سعيه إلى تطبيق الشفافية على كل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش؛ لذلك سيكون من المفيد انفتاح العقل العسكري المصري على الأفكار المركزية التالية:

سيكولوجية العقل العسكري

العقل العسكري فلسفة بنائه وإعداده مناسبة للفعل القتالي وللإشتباك النضالى على جبهات المعارك وغير مُعد للعمل فى الشأن المدني والثقافي والسياسي والإجتماعي
الشأن السياسي والإجتماعي قائم على فلسفة التنازلات المتبادلة ،وجلسات التفاوض الممتدة ،وعلى التوزانات الثقافية والإجتماعية المُعقدة ،والعقل العسكري مبنى على استراتيجية الحسم وتكسير العظام ؛لذلك تدخله فيها مُربك للشأن السياسي وللجهاز العسكري
نهوض المجتمعات وتقدم الأمم وتحرر الشعوب مسألة معتقدة لايمكن لفصيل واحد أو لمكون إجتماعي واحد أو لجهاز عسكري ضارب القيام بها وحده دون الأخرين

تدخل الجيوش فى الشأن السياسي والمدنى المُباشر قاد العديد من الجيوش نحو الانقسام والفرقة، والتخبط الاستراتيجي ؛فكان الضرر بالغاً على مصالح البلاد العليا وعلى تماسك القوات المُسلحة الداخلي

لايمكن تحقيق الأمن القومي للشعوب والمجتمعات والدولة بدون وجود توافق مجتمعي وعقد إجتماعي يضبط مسارات ومجالات واختصاصات وطبيعة العلاقات المدنية العسكرية

وجود جيش قوي ومهمين وسط مجتمع ضعيف ومتصارع وغير متماسك أكبر مهدد للاستقلال الوطنى والتحرر القومي ومنذر بتصدعات عسكرية وإجتماعية متعددة

استقرار الجيوش والمؤسسات العسكرية قائم على ثقافة إطاعة الأوامر وتنفيذ التعليمات ،وحياة المجتمعات وحيوية الشعوب قائمة على فلسفة الحوار وانتشار الحريات ومناقشة السياسات، فمحاولة قيادة المجتمع وفق الثقافة العسكرية مزعج للمجتمع ومُربك للجيش

الإسترايجيات العسكرية تعتمد على الرؤية الكلية لميدان المعركة والسيطرة الكاملة على تحرك القوات، وديمومة الاتصال بها، وخضوعها للتوجية والتصويب ،وحركة المجتمعات والمكونات الإجتماعية و الأحزاب السياسية على العكس من ذلك فهي قائمة على الإستقلالية والتدافع والتعارض، فمحاولة السيطرة على المجتمع وفق الإستراتيجية العسكرية مُعيق لتقدم المجتمع وكارثي على مستقبل الجيوش .

العقل العسكري ينتصر فى الجبهات القتالية لانه يتحلى بالحذر والترقب واقنتاص الفرص واستغلال الثغرات والتركيز على نقاط ضعف العدو، والعقل الإجتماعي قائم على بناء الثقة وتجسير الفجوات وبناء الجسور وعقد التحالفات واستغلال نقاط القوة ،وعندما ينتقل عمل العقل العسكري من جبهات القتال لفضاء الحياة المدنية يُصاب المجهود العسكري والمجتمع بأضرار بالغة على المستوي الإستراتيجي والعسكري بشكل يُضعف مناعة الدولة أمام الأعداء الخارجيين

وبناء على ما سبق أعتقد أن من مصلحة مصر الوطن والشعب والأمة والمؤسسة العسكرية جميعاً أن لا يشتبك الجيش المصري بالشأن السياسي،وأن يتفرغ لبناء قدراته العسكرية والإستراتيجية بعيدا عن ضجيج العمل السياسي والثقافي والإجتماعي حتى يقطع الطريق أمام امتداد نيران الحرب الأهلية بين مكونات المجتمع المصري المُتنوع التى ستأتى على الأخضر واليابس فى مصر لاقدر الله.

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In تقارير ومقالات

تعليق واحد

  1. إبراهيم العتاق

    12 فبراير, 2018 at 5:07 مساءً

    مؤمن ومعجب بتحليلك أستاذ ياسر ومن الدقة بمكان. تطبيقك يحتاج إلي نظام يمكنني تكريس نفسي لتحويل رأيك إلي habitual mind للجيل الحالي.

    رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

 مستقبل الرحمة في زمن الكورونا

يرى جاك أتالي عالم الاجتماع الفرنسي في مقاله " لن يعود العالم كما كان من قبل" أن النظرة إل…