الرئيسية دراسات وأبحاث تداخل الهويات..إشكالية الحضارة والإنسان

تداخل الهويات..إشكالية الحضارة والإنسان

6 ثانية
0
0
965

تداخل الهويات..إشكالية الحضارة والإنسان

ياسر الغرباوى

التمايز بين هويات الأمم والشعوب من حيث النشأة وانماط السلوك واللغات والتقاليد والقيم الحاكمة والمنجزات الحضارية، لا يعنى بحال من الأحوال أن هويات الحضارات تتشكل فى معامل معقمة وجزر فضائية كونية بعيداعن التواصل والتأثر بهويات وقيم الحضارات الأخري.

الهند موطن للهويات والأعراق والديانات

فالتواصل بين الحضارات والهويات تؤكده وثائق التاريخ وحقائق الجغرافيا، سواء كان هذا التواصل حاداً متمثلاً فى خوض معارك حربية مثل_ الحروب الصليبية بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية _ أو كان هذا التواصل ناعما ًعلى شكل طرق التجارة والمصالح الإقتصادية _ مثل طريق الحرير _ الذى ربط بين قارات العالم القديم ، فعبر العديد من اشكال التواصل الحادة والناعمة تنتقل القيم والتقاليد والعادات التى تساهم فى تشيكل الهويات الحضارية.

الهوية الغربية

الهوية الحضارية الغربية عند البحث عن مكوناتها الأصلية التى ساهمت فى نشأتها وتشكل شخصيتها الخاصة يتضح دور التمازج والتفاعل بين الأحداث التاريخية والأمكنة الجغرافية مضافا لها الثراث الإغريقى والرومانى والتعاليم المسيحية وأفكار فلاسفة الأنوار والحداثة الذين ساهموا فى بناء القيم الغربية الحديثة عبر نقد الثراث المقدس والصراع مع الكنسية وتقليص دورها فى الحياة الغربية بشكل كبير، مما ساهم فى القضاء على التعصب الدينى والطائفى الذى ساد فى القارة الأوربية لفترات طويلة.

يُضاف إلي ما تقدم  التأثير القيمي الإسلامي الذى نجد  صده فى أفكار فلاسفة الأنوار الأوربيين. فمن خلال واحة التسامح والتعايش التى ترعرت في الأندلس الإسلامية إنتقلت نسمات التسامح والتعايش للجسد الأوربي.

فتذكر ماريا روزا مينوكال فى كتابها

ا”زينة العالم “the Ornament of the world  “أن قرطبة فى الأندلس الإسلامية كانت من أكثر الأماكن فى العالم تحضرا ويرجع ذلك للعمل المشترك بين أميرها عبدالرحمن الثالث ووزيرة اليهودي هازدى بن شبروت” فى الوقت الذى كانت فيه أوربا غارقة فى الحروب الدينية والطائفية.

وفى هذا الإطار كما يذكر- الدكتور رفيق عبد السلام- فى كتابه فى العلمانية والدين والديمقراطية _ “ياتى إتهام الكنسية البابوية فى معرض صراعها مع أباء البروتستنانت المنادين وقتها بالتخلي عما رأوه زهداً مصطنعا فرضته البابوية بعيداً عن تعاليم المسيح أتباع هذه النحلة” الناشزة” بالمحمديين”” .

مما يُشير فى وجهة نظرى إلي درجة من درجات التأثير الإسلامي فى تشكيل الهوية الأوربية الجديدة فى عصر الأنواروالحداثة .ويمكن الإبحار فى هذا الجانب الذى يتناول تاثير الحضارة الإسلامية فى الحضارة الغربية على مستوى القيم والمنجزات الحضارية  يمكن العودة إلي كتاب المستشرقة الإلمانية  زيجرد هونكه – شمس الله تشرق على الغرب-

فالقيم الحضارية بين الهويات المختلفة  مثلها مثل الطيور لاتعرف حدودا ولاسدودا وتحط فى الأعشاش_الحضارات _ التى توفر لها الدفء والإستقرار، فقد تغادر قيم عليا هوية ما لأنها أصبحت لا توفر لها مقومات النمو والإزدهار، وبالتالي تبدأ فى رحلة الهجرة نحو فضاء حضارى أخر أرحب مساحةً وأوسع أفقاً يوفر لها فرص النمووالترعرع .

الهوية الهندية

وكما حدث تواصل وتلاقح بشكل من الأشكال  بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية، حدث تواصل وتفاعل عميق  بين كل من الحضارة الهندية والحضارة الإسلامية  بشكل يتفوق على التواصل الغربي / الإسلامي بدرجات كبيرة ،يذكر الدكتورالهندي /أمارتيا صن-  الحائز على جائزة نوبل للسلام فى الإقتصاد عام 1988 – “أن وصف الهوية والحضارة الهندية بالهندوسية فقط لابد أن يقلل من قيمة واقع أن الهند بها من المسلمين أكثر من أى بلد أخر فى العالم بإستثناء إندونيسيا وباكستان بهامش ضعيف للغاية ويكمل فى هذا السياق فى- كتابة الهوية والعنف – أنه من المستحيل أن نفكر فى حضارة الهند المعاصرة  من دون ملاحظة الأدوار الرئيسة للمسلمين فى تاريخ البلاد والواقع أنه سيكون من العبث أن نحاول الوصول إلي فهم طبيعة واتساع ما أنتجته الهند من فن وأدب وموسيقي وسينما ،أو حتى طعام ، من دون رؤية المساهمات التى تأتي من كل من الهندوس والمسلمين بطريقة متداخلة تماما ”

الهوية الإسلامية

الحضارة الإسلامية تشكلت هويتها وشخصيتها المميزة لها من خلال العديد من التفاعلات الثقافية والقيمية والحضارية  التى صُهرت فى بوتقة التاريخ والجغرافيا فأخرجت لنا مولوداً جديداً إسمه الشعوب والأمم الإسلامية ،فتكون الهوية الإسلامية مر عبر استيعاب هويات الشعوب والأمم التى داخلها الإسلام وتفاعل معها فأخرج للوجود هوية جديدة تجمع بين حضارات هذه الشعوب ومنظمومة القيم الإسلامية.

كما عبرت عن ذلك  معادلة الدكتور جمال حمدان عندما إعتبر الحضارة الإسلامية هى عبارة عن تعاليم الإسلام +  تراث حضارات الأمم التى فتحها = حضارة إسلامية .

وكما أثرت الهوية الإسلامية فى الهويات الكونية الأخرى تأثرت هى أيضا بالهويات والقيم الحضارية المجاورة لها التى احتكت بها ثقافيا واقتصاداً وعسكريا ، مثل الحضارة البيزنطية والساسانية وحضارة بلاد ما بين النهرين ومصر إلى جانب مؤثرات رومانية ويونانية وهندية وصينية وغيرها، وتتجلي بعض مظاهر هذا التأتير فى نظام الإدارة وتنظيم الأسواق والبيوع والضرائب وغيرها من الأشكال التنظمية الموروثة من هذه الحضارات .

فالتداخل بين الهويات الثقافية والحضارية بين سائر الأمم حقيقة لايقوى أحد من الباحثين على انكارها والتغاضى عنها،  ويبقى السؤال: إذا كانت هذه حقائق  حضارية جلية وواضحة كالشمس فى رابعة النهار، فلماذا برزت للساحة الإعلامية والثقافية ما يعرف اليوم بصراع الهويات؟؟ ، الذى يفترض وجود حدود مانعة فاصلة تحول دون التاثير المتبادل بين الحضارات والهويات ، وينتج عن هذا الزعم  الدعوى أن هناك هويات تتفوق وتتفرد على سائر هويات الأرض بحكم أنها نشأت وتكونت فى بيئات معقمة ولم تستفيد من مكتسبات الأمم الأخري ،مما يقودنا  فى النهاية الى مايُعرف بسياسية العزل الحضارى التى دعا لها المؤلف الأمريكي المعروف  صامويل هنتغتون “صراع الحضارات.

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In دراسات وأبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

مثلث القوة الإقليمي.. تحالف غائب بين مصر وإيران وتركيا

العربي الجديد ياسر الغرباوي في كتابه “نحن و أبعادنا الأربعة” شرح الدكتور جمال …