الرئيسية صدى الأحداث الشيخ نصر الدين من الرصاص إلى الغِراس

الشيخ نصر الدين من الرصاص إلى الغِراس

0 ثانية
0
0
726

ياسر الغرباوي*

مدونات الجزيرة

مع سكون الليل وحلول الظلام وانتشار ضوء القمر الساطع على مراعى ووديان قرى دارفور ومدنها، تجد الرعاة المتعبين من السعي مع قطعانهم في البحث عن الكلأ والماء نهارًا، والمزراعين الكادحين في حقولهم تحت لفح أشعة الشمس ظهرًا، يحنُّون إلى بيوتهم وأطفالهم ونسائهم، كما تحن العصافير إلى أوكارها إذا الليل عسعس، وكما تشتاق الدغافل إلى أمَّهاتها إذا الصبح تنفس، فالجميع يتحرك نحو قريته وبيته، في مشهد جميل يُعانق غروب الشمس فيه هروب النهار؛ ليرسم لنا لوحة فنية بديعة تجمع بين عمق العواطف، وجمال الوجود، وصفاء النفوس، وحسن التواصل، كان هذا هو حال الناس في الإقليم الذي تبلغ مساحته مساحة جمهورية فرنسا،إلى أن ضرب الجفاف والقحط بأطنابه الثقيلة على مراعي الأبقار والإبل والأغنام، فأصبح الرعاة لا يجدون الكلأ الذي يسدُّون به رمق أنعامهم، ولا الماء الذين يرون به ظمأهم وعطش دوابهم؛ فتعرضت أراضي الفلاحين ومزارعهم لمصائب كبيرة، واعتداءات مُفجعة، من قطعان الإبل الجائعة، ومجموعات الأبقار الهائمة على وجهها بحثًا عن الماء والزرع، وتشاركت الأغنام والماعز في حملات السطو على المزورعات، فقد بلغ الجفاف في الإقليم مبلغًا عظيمًا، جعل الرعاة لا يستطيعون كبح جماح قطعانهم من الإغارة على أراضي الفلاحين وآبارهم، فإذا نجح الرعاة نهارًا في ضبط القطيع، تسرَّب القطيع ليلًا نحو المزراع، ومع تكرار الخسائر في أراضي الفلاحين آناء الليل وأطراف النهار، قرَّروا تشكيل مجموعات مسلحة لحماية الحصاد الذي تعبوا في رعايته شهورًا مديدة من البذر والسقي والعرق، والذي ربما يضيع في ساعة من نهار أو ليل، إذا جاست فيه الإبل بأقدامها.
ففى قرية (أرارا) الواقعة في غرب دارفور أصبح الشيخ نصر الدين يعقوب قائدًا لقوات المزارعين، ومع اشتباك هنا ومعركة هناك أمسكت نيران الحرب الأهلية في ثياب القرية والمنطقة، ثم امتدت على طول صفحة إقليم دارفور، إذ تشكلت مليشيات وعصابات، وتدخلت قوى عالمية وإقليمية، واستعانت الحكومة المركزية بقوات رسمية ومحلية لضبط الأمور، ولكن سبق السيف العَذَل. ومع تدهور الأحوال أصبح الشيخ نصر الدين مقاتلًا شرسًا يُدافع عن قومه المزراعين ضد هجمات الرعاة المتكررة، سواء التى جاءت بقصد أو عن غير قصد، فانتشار الكراهية وحب الانتقام والرغبة في الثأر جعل العقول لا تعمل، والأفئدة لا تُبالي بصرخات الضحايا، وآهات الأرامل والمساكين؛ فقد صار الكل عدوًّا للكل في القرية، وبات الشيخ نصر الدين فارسًا مقاتلًا، استبدل بالفأس البندقية، والصبر على الحرث والزرع بالبسالة في القتال، فالتحق في العام 2004م بحركة (العدل والمساواة) في دارفور، بقيادة الطبيب خليل إبراهيم، وصار قائدًا محليًّا للحركة في غرب دارفور، وخاض معارك ضارية ومؤلمة مع القوات المحسوبة على الرعاة والتى تسمي محليًا (الجنجويد)، ثم ترقى عسكريًّا داخل الحركة، فأصبح مسئولًا عن قطاع عسكري عريض في غرب دارفور، يتحرك فيه أناء الليل وأطراف النهار، فقد اكتشفت حركة العدل والمساواة قدرة الشيخ نصر الدين على حشد المزارعين ليكونوا جنودا في الحركة، وسرعة تواصله معهم، فضلا عن خبرته العسكرية النابعة من كونه ابن البيئة والأرض والجغرافية، فهو يعرف وديان دارفور كما يعرف أبناءه، ويميز جبالها وسهولها كما يميز الرجل زوجه وسط مئات النساء، كما أنه في معاركه الخمسة الأخيرة كبَّد الرعاة خسائر بشرية كبيرة، وغنم منهم أسلحة وذخائر متعددة، جعلت فرص انتصاره في المعارك القادمة محققة؛ فقد حولت الأحداث الشيخ نصر من مزارع يتقن بذر الحب، إلى مقاتل محترف في حصد الأرواح والمُهج، بلا شفقة ولا تفكير، واستمر مسار نصر الدين القتالي في التصاعد بداية من العام 2004م، حتى مشارف عام 2011م، حيث بدأت مسيرته ومساره في التحول والتغيير نحو العودة للوئام والسلام، عقب توقيع اتفافية الدوحة للسلام بين الحكومة السودانية وبعض الحركات المتمردة في الإقليم، والتى ليس من بينها حركة الشيخ نصر، فكيف غيرت اتفاقية سلام الدوحة حياة الشيخ نصر، ونجحت في عودته مرة أخري إلى مزرعته وبيته؟ وكيف حولته إلى داعية للسلام والوئام في غرب دارفور؟ هذا هو السؤال الذي من أجله سافرتُ إلى غرب دارفور، وقطعتُ المسافات حتى وصلت إلى بيت الشيخ نصر الدين، لأسمع منه القصة كاملة، وأتعرف على حكاية تحوله من الحرب إلى السلام، وقد نجحت في تحقيق ما أريد، رغم الصعوبات، وسوف أحكي لكم كامل التفاصيل في المقال القادم بحول الله تعالي.
*مؤسس مركز التنوع لفض النزاعات

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In صدى الأحداث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

كيف يحتضن الإسلام غير المسلمين ؟

بحكم اهتمامي بقضايا مقاومة الفتنة والإنقسام جاءنى هذا السؤال الهام والعميق من بعض الشباب ا…