الرئيسية تقارير ومقالات هل ينضم أحمد الشرع إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي؟

هل ينضم أحمد الشرع إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي؟

0 ثانية
0
0
682

ياسر الغرباوي

الجزيرة مباشر

شهدت العقود الأخيرة أمثلة على تطور جماعات مسلحة من العمل العنيف إلى المسار السياسي. وتُعَدّ تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي في أيرلندا الشمالية مثالاً بارزاً؛ فقد أدت ضغوط النزاع الممتد منذ ستينيات القرن العشرين إلى توقيع “اتفاقية الجمعة العظيمة” عام 1998، التي أنهت الصراع. ويُعزى الفضل في تسوية هذا النزاع إلى الدور الحاسم الذي لعبه قادة من داخل الجيش الأيرلندي، مثل جيري آدامز ومارتن ماكغينيس، في بناء السلام. فقد أشارت دراسة لجامعة تكساس إلى أن أغلب المشاركين في العملية السلمية يرون أن أشخاصاً مثل آدامز وماكغينيس كانوا «لا غنى عنهم» في صنع السلام.

هؤلاء القادة كانوا يتمتعون بمصداقية كبيرة لدى أنصارهم، فتمكّنوا من إقناع “الصقور” بأن المستقبل يكمن في العمل السياسي لا في السلاح. وأكد مسؤولو الاستخبارات البريطانية أن ماكغينيس لعب دوراً محورياً في وقف إطلاق النار عام 1994، وأنه “بدونه لم تكن هناك عملية سلام ولا وقف لإطلاق النار”
تكشف تجربة الجيش الجمهوري الإيرلندي أن تحوّل جماعة مسلحة إلى حزب سياسي يتطلب قيادات من داخلها، إذ إن هذه القيادات تمتلك شرعية لدى العناصر المسلحة وتستطيع مواجهة المتشددين. كما أنها تدرك تعقيدات الصراع وتتمكّن من التفاوض على حلول وسط.

الثورة السورية وتجربة أحمد الشرع

بعد انهيار النظام السابق وهروب بشار الأسد، برز أحمد الشرع بوصفه زعيماً للمرحلة الانتقالية في سوريا. وقد شكّل الشرع حكومة انتقالية بقيادته، وأصدر إعلاناً دستورياً جديداً في مارس 2025، وتولى سلطات الرئاسة.
يمتلك الشرع تاريخاً طويلاً مع الجماعات المسلحة؛ فقد كان مقاتلاً في تنظيم القاعدة ضد القوات الأمريكية في العراق، وسُجن في معتقل أبو غريب. وبعد إطلاق سراحه عاد إلى سوريا وأسس “جبهة النصرة”، التي أعاد تسميتها لاحقاً إلى “هيئة تحرير الشام”. وعقب سقوط النظام في ديسمبر 2024 أصبح الشرع الزعيم الفعلي للمعارضة المسلحة، وبدأ يعمل على تهدئة الاقتتال الداخلي في سوريا، وإرساء حضور دبلوماسي على الساحة الدولية. هذا الجهد يعكس سعيه إلى كفّ العنف وتحويل الفصائل المسلحة نحو مسار سياسي، وقد تعهّد الشرع، في خطاب ألقاه عقب توليه الرئاسة المؤقتة، بأن تكون المرحلة القادمة مرحلة مشاركة سياسية شاملة؛ إذ قال: «إن سوريا تمر بمرحلة انتقالية تتطلب مشاركة جميع السوريين لبناء مستقبل حر وعادل». كما أعلن عزمه تشكيل حكومة تعكس التنوع السوري، وقد قام بالفعل بتشكيل هذه الحكومة التي جاءت منسجمة بشكل ما مع تنوع المجتمع السوري، وأنه يعمل من أجل تنظيم انتخابات حرة ونزيهة.

المقارنة مع تجربة ماكغينيس

يمكننا مقارنة مسار الشرع في سوريا بمسار مارتن ماكغينيس في أيرلندا الشمالية. فكلا الرجلين كانا قياديين في جماعات مسلحة، وكلاهما شارك في عمليات قتالية قبل أن يتحول إلى العمل السياسي.
وتُظهر الحالتان أن قادة من داخل الحركات المسلحة يمكنهم، إذا امتلكوا الرؤية والشرعية، قيادة انتقال نحو السياسة. وهذا يعزز الآمال في أن يسهم دور الشرع في كفّ العنف وإنهاء الصراع الداخلي في سوريا والمنطقة.
تنبع الأهمية الاستراتيجية لوجود أحمد الشرع على رأس السلطة الانتقالية في سوريا لكونه والمجموعة المحيطة به، يمثلون تياراً عقلانياً وسط الجماعات المسلحة. كما أن هناك ثقة متبادلة بينه وبين قادة تلك الحركات. لذا يُعَدّ وجود الشرع برؤيته الجديدة، وشرعيته الميدانية، فرصة تاريخية أمام المجتمع السوري ودول الإقليم، والمجتمع الدولي تستحق الدعم والمساندة، ومن أشكال الدعم لرؤية الشرع: تقديم النقد البنّاء، والمساءلة الجادّة، ودعم القرارات الصائبة، ومعارضة التجاوزات التي تعرقل مسار العدالة الانتقالية؛ وذلك من أجل حقن الدماء، وبناء سوريا المستقبل، والمساهمة في استقرار الشرق الأوسط.
إن وجود قيادات تمتلك الشجاعة والقدرة على ممارسة المراجعة الذاتية، وفهم الواقع السياسي، والمناورة بحكمة، إلى جانب امتلاكها شرعية لدى طيف واسع من الحركات المسلحة وقدرتها على إقناعها بالانخراط في العمل السياسي، يُعد أمراً نادر الحدوث في حياة الشعوب

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In تقارير ومقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

الطريق الأذكى للتعامل مع قسد في سوريا

ياسر الغرباوي* تعلّمنا تجارب النزاعات الممتدة أن الحسم العسكري، مهما بدا مغريًا، نادرًا ما…