تقارير ومقالات فوز عمدة نيويورك: نار الديمقراطية ولا جنّة الاستبداد! بواسطة ياسر الغرباوي تم النشر منذ 8 نوفمبر, 2025 2 ثانية 0 0 542 فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك في العام2025 ياسر الغرباوي في الخامس من نوفمبر 2025، حقّق زهـران ممداني، الأميركي المسلم (Zohran Mamdani)، فوزًا تاريخيًّا في انتخابات عمدة نيويورك، ليصبح أول مسلم، وأول شخص من أصول جنوب آسيوية، وأول من وُلِد في إفريقيا يرأس أكبر مدينة أميركية. هذا الحدث ليس مجرد تبدّل سياسي محلي، بل هو محطة دلالية عميقة في قراءة النموذج الأميركي، وفي انعكاساته على مجتمعاتنا العربية، خصوصًا في ما يتعلّق باستيعاب الأقليات، وإنتاج التغيير الثقافي، وصياغة سياساتٍ تراعي التنوع والعدالة وحاجات الناس خلفية إنسانية وسياسية وُلِد ممداني في كمبالا (أوغندا) عام 1991، لأسرة مسلمة من أصول هندية. والده المفكر الأكاديمي محمود ممداني، ووالدته المخرجة ميرا ناير. انتقلت الأسرة إلى جنوب إفريقيا ثم إلى نيويورك، حيث نشأ وترعرع.قبل ترشحه، عمل ممداني ناشطًا اجتماعيًا ومُرشِدًا قانونيًا لأصحاب العقارات المعرضين للإخلاء، فعايش عن قرب أزمة السكن والتشرد في المدينة. رفع برنامجه الانتخابي شعار “القدرة على التحمل” (Affordability) في مواجهة أزمة الإسكان، وتعهّد بطرح خدمات النقل المجاني، والمتاجر العامة، والإصلاحات الاجتماعية التي تضمن عدالة أوسع للمواطنين. بهذا المعنى، لم يكن فوزه مجرد نتيجة انتخابية، بل رسالة مفادها أن الديمقراطية الأميركية – رغم نواقصها – ما زالت تملك القدرة على التغيّر وإعادة إنتاج ذاتها. دلالات الفوز استيعاب الأقليات والآخر: فوز ممداني، وهو مسلم مهاجر، يُبرهن على قدرة النظام الأميركي على دمج أبناء الأقليات في مواقع القرار، وتجاوز حدود الهوية الدينية أو العرقية بدرجة من الدرجات التصحيح الذاتي للنموذج الديمقراطي: رغم ما تعانيه الديمقراطية الأميركية من انقسامات واستقطابات، إلا أن قدرتها على مراجعة مسارها وتصويب أخطائها تبقى من أسرار بقائها وحيويتها. بدايات تحوّل ثقافي وشبابي: يعكس فوزه حيوية جيل أميركي جديد أكثر وعيًا وعدلاً، ينظر إلى القضايا المحلية والعالمية – ومنها قضية فلسطين وعلاقة أميركا بإسرائيل – من زوايا أكثر استقلالًا ونقدًا، بعيدًا عن سطوة اللوبي الإسرائيلي . التركيز على قضايا الناس الحقيقية: ما ميّز حملة ممداني هو حديثه عن الاحتياجات اليومية للمواطنين: السكن، الخدمات، النقل، وصيانة الطرق. لقد ذكّر الأميركيين – ومعهم العالم – بأن النجاح السياسي يبدأ من الواقع الإنساني لا من الخطابات الكبرى. الدروس المستفادة للعالم العربي من هذه التجربة، يمكن للقوى الوطنية العربية أن تستخلص دروسًا جوهرية لبناء مستقبل أكثر حرية وعدالة: عبر العمل على النقاط التالية – إنتاج سياسات تستوعب الآخر والمُختلِف: كما احتضن الناخب الأميركي مرشحًا من خلفية مهاجرة، ينبغي للعالم العربي أن يعيد التفكير في عقده الاجتماعي ليشمل المواطَنة الكاملة لجميع مكوّناته، بغضّ النظر عن الدين أو العرق أو المذهب. – فتح الباب أمام الشباب والتجديد: الشباب في أميركا كان محورًا للتغيير، وكذلك يجب أن يكون في مجتمعاتنا. فالإصلاح لا يأتي إلا عبر ضخّ دماء جديدة في الحياة العامة. – التركيز على قضايا الناس الفعلية: التعليم، الإسكان، الصحة، العدالة الاجتماعية، وفرص العمل؛ هذه هي الأسئلة الحقيقية التي تصنع الشرعية السياسية والثقة بين المواطن والدولة. – إعادة صياغة العقد الاجتماعي: لقد آن الأوان لصياغة عقد جديد يربط بين الدولة والمجتمع على أساس المساواة، والمشاركة، والكرامة، بعيدًا عن الإقصاء والطائفية والانغلاق الأيديولوجي. الخاتمة إن فوز زهران ممداني ليس مجرد انتصار انتخابي، بل رسالة أمل تُثبت أن المجتمعات المتنوعة قادرة على تجاوز الانقسام، وأن الديمقراطية الحيّة لا تخشى النقد، بل تنمو به وتتعافى من خلاله. لقد أثبتت التجربة أن نار الديمقراطية – رغم ما فيها من فوضى وتعب – أفضل من جنة الاستبداد المزيفة. وعلى العرب أن يستفيدوا من هذه اللحظة التاريخية لإعادة النظر في بدائلهم الحضارية، وتحويل تنوّعهم البشري الهائل إلى قوة خلاقة تمزج بين القيم العربية الأصيلة، والمبادئ الإنسانية العالمية للحرية والعدالة والكرامة. طباعة