الرئيسية تقارير ومقالات حين ينتصر المظلومون بالقانون والقوة

حين ينتصر المظلومون بالقانون والقوة

0 ثانية
0
1
415

ياسر الغرباوي

في الأسابيع الأخيرة، تناقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية تقارير عن جنودٍ إسرائيليين يخضعون لعلاجٍ نفسي بعد مشاركتهم في الحرب على غزة. بعضهم أُصيب بنوبات هلعٍ وكوابيس، وآخرون أقدموا على الانتحار، غير قادرين على التعايش مع ما ارتكبوه من مشاهد القتل والدمار. فالإنسان حين يتجاوز حدود الرحمة، يُفتح في داخله جرح لا يندمل. من يطلق النار على طفلٍ أو يدمّر بيتًا فوق ساكنيه، لا يعود بعد الحرب كما كان قبلها. إن العنف حين يخرج عن ميزانه، يتحوّل إلى لعنةٍ تطارد صاحبه، حتى لو حمل راية “النصر”.

هذه ليست حالة فريدة. فبعد حرب فيتنام، امتلأت المستشفيات النفسية في الولايات المتحدة بجنودٍ يعانون ما سُمّي لاحقًا بـ«متلازمة الذنب القتالي». كانوا يعيشون عذابًا داخليًا أشد من الجراح التي في أجسادهم؛ صور المدنيين الذين قتلوهم لا تفارقهم، فيشعرون أن كل انتصارٍ عسكري خسروا معه جزءًا من إنسانيتهم.

الإسلام أدرك هذه الحقيقة منذ فجره الأول. في إحدى الغزوات، وُجدت امرأة مقتولة بين القتلى، فغضب النبي ﷺ وقال: «ما كانت هذه لتقاتل!» ثم نهى عن قتل النساء والأطفال والعُبّاد في صوامعهم. لم يكن النهي فقط رحمةً بالآخرين، بل وقايةً للمجاهد من أن يتحول إلى وحشٍ بلا ضمير. فالإسلام لم يرد أن يربّي جنديًا قاسيًا ينتصر في الميدان، بل إنسانًا متوازنًا ينتصر في روحه قبل سيفه.

حين يلتزم المقاتل بأخلاقيات الحرب، فإنه يحفظ روحه من الانهيار. أما حين يتجاوزها، ينهار داخليًا، حتى لو بقي حيًا. ومن هنا نفهم أن الشريعة حين وضعت حدودًا للقتال — ألا يُقتل طفل، ولا تُستباح امرأة، ولا تُهدم دار عبادة — كانت تحمي المقاتل المسلم قبل أن تحمي خصمه. لأن الحرب بلا ضابطٍ تُحوِّل الشجاعة إلى وحشية، والنصر إلى لعنةٍ تطارد صاحبه مدى الحياة.

لقد أثبتت التجارب النفسية الحديثة أن الإنسان لا ينجو من أفعاله، وأن القتل بلا مبررٍ شرعي أو أخلاقي يترك أثرًا دائمًا في النفس. الإسلام أدرك ذلك مبكرًا، فجعل الرحمة جزءًا من منظومة القوة. قال تعالى: «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين». هذه الآية تختصر فلسفة الحرب في الإسلام: قوةٌ منضبطة بالعدل، لا انتقامٌ أعمى ولا كراهية.

أسرار تحريم الاعتداء على المدنيين

  • حماية الضمير: لأن من يتجاوز حدود الرحمة يعاقب بندمه، ويعيش أسيرًا لجرائمه حتى بعد انتهاء الحرب.
  • صون القوة من التحوّل إلى وحشية: فالقوة المطلقة تُدمّر صاحبها قبل خصمه.
  • إبقاء باب السلام مفتوحًا: لأن المجازر تورّث الكراهية، أما الانضباط فيترك فرصة للمصالحة.

في ضوء ما يشهده العالم اليوم من حروبٍ تُبثّ على الهواء، من غزة إلى أوكرانيا، يصبح الالتزام بالمواثيق الدولية في حماية المدنيين واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا على المسلمين قبل غيرهم. نحن لا نحمي العدو فحسب، بل نحمي أنفسنا من التحلل الأخلاقي، ونحافظ على صورة دينٍ جعل الرحمة ضابط القوة لا نقيضها.

الشراكة في الجهود الدولية لحماية المدنيين، وتجريم الانتهاكات ضد الأبرياء، ليست خروجًا عن روح الإسلام، بل امتدادٌ لها. فالدين الذي أمر ألا تُقطع شجرة، ولا يُقتل طفل، ولا يُمسّ عابد في صومعته، هو ذاته الذي يدعونا اليوم إلى أن نكون في صفّ كل مبادرةٍ تحفظ كرامة الإنسان، وتعيد للقتال ميزانه الأخلاقي.

فالإسلام، قبل أن يحمي أجساد الأبرياء، أراد أن يحمي روح المجاهد من أن تُصاب بدمها.

وفي ضوء الحقائق التي تجلت في المقال، أنا لست مع الدعوات التي تُطالب بإلغاء القانون الدولي، أو الانتقاص من أهمية مسار حقوق الإنسان وقواعد الحرب؛ بل أنا داعم لكل الجهود التي تُطالب بتفعيل القانون الدولي الإنساني؛ فالتخلي عن هذه المعايير لا يقي من المجرمين، بل يفتح الباب أمام منطق الفوضى والانتقام. حتى لو تخلّى الخصم عن أخلاق القانون وحقوق الإنسان، فواجبنا أن نُمسك بمبادئنا حماية لقضيتنا، ولمستقبل البشرية فنجعل نضالنا محكوم بضوابط إنسانية تحمي المدنيين وتمنح قضايانا مصداقية. ونختم المقال بوصية الرئيس الفيلسوف علي عزّت بيجوفيتش  “إنّ الظلم لا يُواجه بالظلم، وإنّ المظلومين لا ينتصرون بالقوّة  وحدها “

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In تقارير ومقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

الطريق الأذكى للتعامل مع قسد في سوريا

ياسر الغرباوي* تعلّمنا تجارب النزاعات الممتدة أن الحسم العسكري، مهما بدا مغريًا، نادرًا ما…