الرئيسية صدى الأحداث الطريق الأذكى للتعامل مع قسد في سوريا

الطريق الأذكى للتعامل مع قسد في سوريا

0 ثانية
0
0
354

ياسر الغرباوي*

تعلّمنا تجارب النزاعات الممتدة أن الحسم العسكري، مهما بدا مغريًا، نادرًا ما يُنتج سلامًا مستدامًا. أما بناء التوافق الوطني الحقيقي، فيحتاج إلى خيال سياسي، وإلى البحث عن أدوات تُجنّب المجتمعات كلفة الحرب. ومن بين أكثر هذه الأدوات نجاعة، كما أثبتت التجارب الدولية، عزل أمراء الحرب عن حواضنهم الشعبية، بدل الاكتفاء بمواجهتهم عسكريًا.

في الحالة السورية، يبرز هذا المدخل بوصفه الخيار الأذكى للتعامل مع معضلة قوات سوريا الديمقراطية، لا عبر شيطنة المكوّن الكردي، ولا عبر التسليم بقسد ممثلًا وحيدًا له.

نشأت قسد في سياق الحرب عام 2015 كتحالف عسكري مدعوم خارجيًا، ونجحت في ملء فراغ أمني ومواجهة تنظيم داعش. غير أن هذا النجاح العسكري تحوّل لاحقًا إلى احتكار سياسي وأمني، دون تفويض شعبي حر، ودون قبول تعددي داخل المجتمع الكردي نفسه. والحقيقة التي يجري تجاهلها عمدًا هي أن قسد لا تمثّل كل الأكراد السوريين، ولا تعبّر عن تنوّعهم السياسي والاجتماعي والثقافي.

فالمكوّن الكردي في سوريا نسيج متعدّد؛ فيه القومي والوطني، المحافظ والليبرالي، العشائري والمدني، وفيه من يرفض العنف، ويرفض عسكرة الهوية، ويرفض ربط مستقبله بمشاريع أيديولوجية عابرة للحدود. بل إن داخل هذا المكوّن ذاته اعتراضات صامتة، وأحيانًا معلنة، على سياسات قسد، من التجنيد الإجباري، إلى إقصاء الأحزاب المنافسة، إلى فرض خطاب واحد بالقوة، وربط الهوية الكردية بخيارات تصادمية مع محيطها الوطني.

المشكلة هنا ليست «كردية»، بل مليشياوية بامتياز. فالإشكال لا يكمن في المطالب الكردية المشروعة، بل في اختزال هذه المطالب في فصيل مسلح يحتكر السلاح والقرار، ويقدّم نفسه باعتباره الممثل الأوحد، ويمنع تشكّل أي مسار سياسي سلمي بديل. وهكذا تتحوّل القضية العادلة إلى رهينة بندقية، وتُختطف هوية مكوّن كامل باسم «الحماية»، بينما تُدفع الغالبية الصامتة إلى الهامش.

أمام هذا الواقع، يملك السوريون، حكومةً ومجتمعًا، خيارًا أكثر واقعية وأقل كلفة من منطق المواجهة الصفرية، وهو الالتقاء بأصحاب المصلحة في السلام داخل المكوّن الكردي؛ أي فتح قنوات تواصل مباشرة مع الأكراد الرافضين للعنف، المتمسّكين بالوحدة الوطنية السورية، والساعين إلى حل سياسي لا عسكري.

ويعني ذلك عمليًا الاعتراف بالتعدّد الكردي وعدم اختزاله، والتواصل مع الأحزاب غير المسلحة، والوجهاء والعشائر، والمثقفين، ورجال الدين المعتدلين، والمبادرات المدنية والشبابية، وتمكينهم من التعبير السياسي العلني، لا بوصفهم «بدائل مصطنعة»، بل باعتبارهم التمثيل الطبيعي لمجتمع يريد السلام.

والهدف من هذا المسار ليس التفاوض مع السلاح، بل سحب الغطاء الأخلاقي والشعبي عن الفاعل المسلح. فعندما يُعزل أمير الحرب عن مجتمعه، ويُقطع عنه خط الإمداد الاجتماعي والرمزي، يفقد قدرته على الادعاء بالتمثيل، ويصبح السلاح عبئًا لا مصدر قوة. وهذا هو جوهر عزل أمراء الحرب: لا مواجهة المجتمع، بل تحريره من الاختطاف.

وقد أثبت هذا المدخل فعاليته في تجارب سابقة، أبرزها ما جرى في دارفور، حين تم تجاوز الفصائل المسلحة الرافضة للسلام عبر العمل مع القوى المجتمعية الرافضة للحرب، وعقد مؤتمر موسّع لـ«أصحاب المصلحة في السلام» في الدوحة، قطر. هناك لم تُهزم المليشيات بالقوة وحدها، بل بفقدانها الشرعية الاجتماعية بعد أن برز صوت المجتمع بوصفه المرجعية.

وفي هذا السياق، يمكن لسوريا أن تستفيد بذكاء من الخبرة القطرية المتراكمة في فضّ النزاعات وبناء السلام، وهي خبرة تشكّلت عبر مسارات عملية طويلة، قامت على العمل مع المجتمعات المحلية لا مع السلاح وحده. فقد راكمت دولة قطر تجربة معتبرة في تمكين أصحاب المصلحة في السلام، ودعم القوى الاجتماعية الرافضة للعنف، وتحويلها إلى فاعل سياسي وأخلاقي قادر على عزل أمراء الحرب وتجفيف منابع شرعيتهم، دون صدام مع المجتمع نفسه.

في الحالة السورية، يمكن لهذه المقاربة أن تُسهم في نقل الملف الكردي من منطق العسكرة إلى منطق السياسة المجتمعية، ومن فرض الأمر الواقع إلى بناء الشراكة الوطنية، عبر مسار سوري–سوري، يستعيد فيه المجتمع صوته، وتُستعاد فيه السياسة من يد البندقية. ولا يكتمل هذا الطرح دون التنبيه إلى أن الاعتماد المفرط على المقاربة العسكرية، دون جهد موازٍ لعزل الحاضنة الاجتماعية عن قسد، يمنحها فرصة دائمة لتقديم نفسها بوصفها «حامية المكوّن»، بينما كان الأجدى فتح مسارات سياسية واجتماعية تُفكك هذا الادعاء من جذوره أولًا.

الخلاصة أن سوريا الجديدة لا تُبنى بهزيمة مكوّناتها، بل بتحريرها من الاختطاف المسلح. وعزل أمراء الحرب عن حواضنهم ليس ضعفًا ولا تنازلًا، بل قوة سياسية هادئة، واستثمار طويل الأمد في الاستقرار. وإن إنقاذ القضية الكردية من عسكرة قسد، هو في جوهره إنقاذ لسوريا نفسها من حرب أخرى، ومن انقسام أعمق، ومن سلام مؤجَّل.

*مؤسس مركز التنوع لفض النزاعات

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In صدى الأحداث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

من الفتوى إلى السلوك: التدخين بين عُمان وتركيا

ياسر الغرباوي خلال زيارتي إلى مسقط، لفت انتباهي أمرٌ يبدو بسيطًا في الظاهر، لكنه عميق الدل…