الرئيسية صدى الأحداث الوحدة قبل التوحيد

الوحدة قبل التوحيد

2 ثانية
0
0
256

ياسر الغرباوي

تقدمت الحضارة الإسلامية عندما ساد الإحترام والتقدير المتبادل بين كل المكونات المتنوعة في المجتمع، فالإسلام لم يتحول إلي حضارة وهوية جامعة إلا عندما وضع يده علي كل من العراق ومصر وبلاد فارس، فالحضارة الإسلامية تكونت عند الدكتور جمال حمدان من خلال الدمج بين  مبادىء الإسلام  مُضاف إليها معارف وعلوم الدول المفتوحة.

لكن البعض يتساءل كيف يمكن للإسلام أن يحتضن غير المسلمين؟؟ وآياته تقول :”ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه”،”و لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم”، وقوله” لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم”

هذا السؤال مفصلى وأفضل طرق الإجابة عليه هو  أن نرجع  للقرآن لنتعرف على  كيفية تعاطيه مع إختلاف البشر فى الأديان والمعتقدات والعادات وكيف عالج ذلك  فلسفياً وإجرائياً ووجدانياً بدون تشنج وتوتر، ولكى نبدأ فى ذلك لابد لنا  من إطار معرفى ننظر لهذه القضية فى ضوء القرآن وسيكون من الأفضل تقسيم الأيات القرانية التي وردت في التعاطي مع الأخر المُخالف فى الدين إلي ثلاث أنواع:

الأولي:  آيات تعرض العقائد.

الثانية:  آيات تُوضح الحقائق.

الثالثة:  آيات ترسم الحقوق.

فكما ورد في السؤال، الله يقول ” ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم”، ويقول أيضاً” لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم”، الأية الأولى تقع في الصنف الثاني من الآيات والتي تُوضح الحقائق الوجدانية والإجتماعية وتوضح نوع العلاقة من حيث الرضي القلبي والوجداني المُتبادل بين كل من  اليهود والنصاري والمسلمين، والآية الأخرى ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم) تأتى فى باب الصنف الأول الخاص بعرض العقائد وهي خاصة ببيان موقف الإسلام  من طبيعة عقائد وقناعات الأخرين المُخالفين. فى المُجمل الأيات السابقة تعرض لطبيعة الحقائق الواجدانية والعقائد الدينية للأخر المُخالف، فهل يُعد فساد عقيدة المُخالف فى نظر الإسلام مسوغ  للعداء والصراع والإقصاء له؟؟

يتضح لنا عكس ذلك تماما عندما نكمل معاً الإبحار نحو  ضفة الصنف الثالث من الآيات وفق تقسيمنا السابق  باستعراض طرف من الأيات القرآنية الخاصة بالحقوق مثل قوله سبحانه (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) فهذه الأية  أقرت أن هناك حقوق للآخرين المخالفين للإسلام في العقائد والحقائق لابد أن تصان وتُقدروتُحفظ،  وقد أباحت آيات أخرى  للمسلم أن يكون جد أولاده يهودياً أو مسيحياً، وأن تكون زوجته مسيحية أو يهودية، فلو كانت آيات العقائد والحقائق تعني الصراع والإقصاء والتهميش والإهانة فكيف يُباح للمسلم أن ينشىء أسرة متنوعة الانتماء العقدي والوجدانى!!!  .

لذلك فإن الخطاب الديني المُتعصب ينبع من هذا الخلط المُتعمد بين مساحات (آيات العقائد، وآيات الحقائق، وآيات الحقوق) حيث تُستدعى الآيات التي تتناول العقائد والحقائق كذريعة لهدم حقوق الأخر المُخالف وانتهاكها وهنا مكمن الخطر الدين والتدين

ويتضح لنا من خلال هذه الجولة مع القرآن وقضايا المُخالف أن المشكلة ليست في الإسلام، وإنما المشكلة في تدين الناس الذين يرغبون في فرض تدينهم وتصوراتهم على تصورات مخالفيهم، وبالتالي أي خروج عن تدينهم يعتبرونه خروج عن الدين، فالإسلام دائما ليس له قراءة واحدة وهذا من رحمة الله علي الناس، فالفقة الإسلامي يشهد بذلك فالمدرسة الفقهية المصرية بقيادة الإمام الليث بن سعد، تختلف عن مدرسة الإمام أحمد بن حنبل في منطقة الحجاز، تختلف عن مدرسة أهل الرأي في العراق.

فالتوفيق بين الرؤية الدينية واستقرار المجتمع أمر ممكن ، وحققته العديد من الشعوب عبر الحفر المعرفي ودراسة فلسفة الدين ومراعاه سنن الله الكونية في بناء المجتمعات والدول، ومن الجميل أن نذكر هنا أن  القرآن فى بعض الأحيان قدم وحدة واستقرارالمجتمعات علي التوحيد!!!، فموقف هارون مع أخيه موسي عليهما السلام.( قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا.ألا تتبعن أفعصيت أمري. قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي) يدعم هذه الدعوى فقد اختار هارون الإبقاء على مجتمع بنى إسرائيل متماسك وليس متناحر حتى يعود موسى ويبت فى الأمر !!!.

 

 

فى الختام أعتقد إننا  جميعا نحتاج إلي إعادة القراءة المعرفية للنص الديني المُقدس في ضوء حاجات البشرية في القرن الواحد والعشرين، وأحسب أن الإسلام لن تبخل علينا بفتوحات جديدة تجمع شتات البشرية وتنقلها من شاطىءالشقاق إلى بر الوئام والوفاق .

 

 

*مؤسس مركز التنوع للدرسات

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In صدى الأحداث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

كيف يحتضن الإسلام غير المسلمين ؟

بحكم اهتمامي بقضايا مقاومة الفتنة والإنقسام جاءنى هذا السؤال الهام والعميق من بعض الشباب ا…