المحاضرات والندوات بين عمر المختار ومانديلا: أيُّ طريقٍ تسلكه إيران؟ بواسطة ياسر الغرباوي تم النشر منذ أسبوعين 0 ثانية 0 0 129 ياسر الغرباوي هل تُدار الحروب بمنطق النهاية، أم بمنطق التعلم؟ في لحظات التوتر الكبرى، حين يشتد الضغط وتضيق الخيارات، تبحث الأمم عن كلمات تختصر موقفها، وتشد عصبها، فتولد الشعارات، لا بوصفها جملا، بل بوصفها رؤى للعالم. هناك شعار حمله رجال في ذروة المواجهة، ودوى في التاريخ كصرخة كرامة، إما أن ننتصر أو نموت، وهو الشعار الذي ارتبط بالمجاهد عمر المختار، في مواجهة الاستعمار الإيطالي الذي لم يترك له ولا لشعبه مساحة للمناورة أو التدرج. في تلك اللحظة، لم يكن الشعار اختيارا فكريا، بقدر ما كان ضرورة وجودية، حين تسلب الأرض، وتغلق الأبواب، ويختزل الإنسان في خيارين، الخضوع أو المقاومة، يصبح الموت نفسه أقل قسوة من الاستسلام. ذلك الشعار إذن، لم يكن خطأ، بل كان صادقا مع ظرفه وسياقاته الجغرافية والتاريخية، ومعبرًا عن زمن لا يحتمل أنصاف الحلول، لكن التاريخ لا يقف عند لحظة واحدة، فالتاريخ، وفق منهج بن خلدون، عبارة عن دورات ومسارات دائرية، ولا يسير في خط مستقيم، مصدقًا لقول الله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ وفي سياق مختلف، وزمن آخر، خرج صوت آخر من قلب المعاناة والقهر والألم والتمييز العنصري، صوت المناضل نيلسون مانديلا، ليقول شعارًا مختلفًا عن شعار ومبدأ المجاهد عمر المختار، وهو إما أن ننتصر أو نتعلم. هذا الشعار لم يلغ الألم، ولم ينكر القهر، لكنه أعاد تعريف المواجهة والتدافع بين البشر، وحول النظرة للصراع من نزاع صفري إلى رحلة تحول، من معركة وجود إلى مسار بناء، من نقطة انكسار إلى سلم صعود. مانديلا لم يتنازل عن الكرامة، لكنه أدرك أن أعظم انتصار ليس فقط كسر الخصم، بل إعادة بناء الذات والمجتمع بعد الصراع. وهنا تتجلى المفارقة الإنسانية العميقة، شعار عمر المختار يحمي الكرامة حين تهدد في أصلها، وشعار مانديلا يبني المستقبل حين يصبح البقاء ممكنًا، الأول يولد في لحظة الاختناق، والثاني ينضج في أفق القدرة على الاستمرار اليوم، ونحن نتابع التوترات الدولية، ومنها الحرب على إيران من طرف الولايات المتحدة وإسرائيل، تعود هذه الأسئلة من جديد، ولكن بصيغة أكثر تعقيدًا، ففي خضم هذا المشهد، تبرز لغة المصيرية، ويعاد تعريف الصراع كأنه مواجهة نهائية. وقد عبر عن هذا البعد الحضاري وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، حين أشار إلى أن إيران أمة ذات حضارة عريقة لا يمكن محوها، وهنا يتحول الخطاب من مجرد رد فعل سياسي إلى تصور للذات عبر التاريخ، لا تختصره معركة، ولا تنهيه ضغوط. لكن السؤال الأهم يبقى، وهو، أي منطق يحكم الفعل؟ هل منطق اللحظة، أم فكرة المسار؟ التجربة الإنسانية تقول لنا إن الأمم التي بقيت وتقدمت، لم تكن تلك التي اختارت دائمًا المعركة الأخيرة، بل تلك التي عرفت متى تقاتل، ومتى تتعلم، وكيف تحول كل تجربة، حتى القاسية منها، إلى رصيد حضاري. ليس المطلوب أن نفاضل أخلاقيًا بين عمر المختار ومانديلا، فكلاهما عظيم في سياقه، لكن المطلوب أن نسأل بصدق، أي الشعارين يخدم أمتنا اليوم أكثر؟ هل نحتاج إلى شعار يحشدنا في لحظة، أم إلى رؤية تبنينا عبر الزمن؟ ربما تكون الحكمة في الجمع بينهما، أن نحمل روح عمر المختار حين تهدد الكرامة، ونتبنى عقل مانديلا حين نبحث عن المستقبل. لكن إن كان لا بد من الانحياز، في عالم معقد طويل النفس، تحكمه التراكمات لا اللحظات، فإن الواقع يميل بهدوء إلى الشعار الأقل صخبًا، والأكثر بقاء، إما أن ننتصر أو نتعلم، لأن الأمم لا تموت حين تهزم، بل حين تتوقف عن التعلم برأيكم، هل تنحاز إيران إلى شعار عمر المختار؟ أم إلى سلوك مانديلا؟ أم أنها ستشق طريقًا ثالثًا يجمع بينهما، ومحاولة نيل الكرامة والتعلم في آن واحد؟ طباعة