الرئيسية دراسات وأبحاث هل يصحّ الحديث عن ملف قبطي في مصر؟

هل يصحّ الحديث عن ملف قبطي في مصر؟

3 min read
0
0
920

هل يصحّ الحديث عن ملف قبطي في مصر؟

دراسة بإشراف د. عزمي بشارة

تتعرض الدراسة لواقع المواطنين المصريين الأقباط، وتطرح تساؤلاً حول ما إذا كان هناك ما يمكن وصفه بـ “المسألة القبطية” في مصر، وذلك في ضوء تطورين هامين: تصاعد الشعور بالغبن الطائفي لدى فئات واسعة من المواطنين المصريين الأقباط ، والثورة المصرية الكبرى وما يمكن أن تقوم به لإعادة صياغة العلاقة بين مسلمي مصر وأقباطها في إطار هوية وطنية مشتركة. كما تسعى الدراسة إلى التمييز بين ما هو فعلي وما هو غير واقعي ومبالغ فيه ضمن الطروحات المختلفة حول وضع المصريين الأقباط.

تتناول الدراسة  تاريخ الأقباط في مصر بداية من عهد محمد علي باشا ووصولاً للحظة الراهنة، ودراسة أوضاع الأقباط الاقتصادية والاجتماعية خلال الحقب التاريخية المختلفة، كما تتناول المصادر التي يعتبرها الأقباط سببا للغبن الطائفي الواقع عليهم، والإطار القانوني ومسائل الأحوال الشخصية والعلاقة بين السلفيين والأقباط، سيما في ضوء صعود خطاب سلفي متشدد في مرحلة ما بعد الثورة. وتخلص الدراسة إلى نتيجة مؤداها أن المفتاح للتعامل مع الملف القبطي هو إعمال مبدأ المواطنة  المتساوية وأن الديمقراطية هي الإطار الملائم لمثل هذه المقاربة.

مقدمة
الأقباط في تاريخ مصر الحديث
خلفية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
الأقباط والمواطنة
الإطار القانوني ومسائل الأحوال الشخصية
أصداء تفجير الإسكندرية (كانون الثاني/ يناير 2011)
السلفية في مصر وعلاقتها بالأقباط
خلاصة
قائمة المراجع

خلفية الدراسة

كنا في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قد باشرنا بإعداد دراسة نتساءل فيها: هل هناك ملف قبطي مفتوح في مصر وينتظر المعالجة؟ وكان المحرك لكتابتها هو تتالي احتجاجات الأقباط خلال النصف الثاني من العام 2010، والتي وصلت ذروتها بعد تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية. ثم قرّرنا تأجيل إصدار الدراسة، وربما عدم إصدارها أصلاً، وذلك بعد نشوب ثورة 25 يناير، التي أظهرت تلاحما غير مسبوقٍ للجماعة الوطنية المصرية في خضمّ النّضال ضدّ نظام الحكم. وللتّدليل على الأجواء المتفائلة في حينه، نشير إلى أنّ المشرف على هذه الدراسة قد كتب تعليقا على ذلك أنه في حين تُخرج أنظمة الحكم العربية أسوأ ما فينا، فإنّ النضال ضدّها يُخرج أفضل ما فينا[1]. وكان التّآخي “العابر-للطوائف” بين المصريين، فضلا عن جماليات الثورة جزءاً ممّا قصدناه بذلك. لم نشأ إصدار مادّة تثير قضايا رأيْنا أنّ المواطنة الديمقراطية كفيلة بحلّها في المستقبل، فنعكّر صفو وحدة الصفّ الوطنية في إطار الثورة بقضايا جانبية نسبيّا.

وكنّا قد توصّلنا إلى نتيجة مفادها أنّ هنالك ملفاً قبطياً في مصر، وأنه ملفّ حقيقي وليس نتاج تآمر أجنبي أو تحريض إسلامي، ولا هو محض نتاج انعزالية تتبعها المؤسّسة الكنسية، وأن معالجته هي شرط لمواجهة كافة العوامل الأخرى التي تستغلّه فتزيده حدّةً. وهذا يعني أيضا أن أيّ نظام ديمقراطي مقبل في مصر لا يمكنه الاكتفاء بالتّشديد على “تآخي الطوائف”، وسوف يكون عليه أن يعالج قضايا عينيّة. ولكن لا يمكن وضع كافة القضايا المزمنة على طاولة الثورة ونظامها الجديد المستقبلي دفعة واحدة.

غير أنّ ما دفعنا إلى إعادة النظر في الموضوع ونشر الدراسة هو حادثة هدم كنيسة الشهيدين في قرية صول بمحافظة حلوان مساء الجمعة الرابع من آذار/ مارس 2011، وما تلاها من اعتصام أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون دام 9 أيام، وما تبعه من إدانات من القوى السياسيّة. ونحن ننشرها بعد إجراء تعديلات طفيفة عليها على ضوء نتائج الثورة المصرية الكبرى.

عن حادثة قرية صول:

بموجب الرواية الأكثر ترجيحا، أثارت علاقة بين شابّ مسيحي وفتاة مسلمة حالة من الغضب العام في قرية صول الواقعة في مركز أطفيح (على بعد 90 كلم من القاهرة) بمحافظة حلوان، وعلى إثْرها ترك الشاب المسيحي وأسرته القرية. ولكن الأحداث تفاعلت حين حضر ابن عمّ والد الفتاة إلى القرية لقتل الفتاة ووالدها بدعوى الدّفاع عن شرف العائلة، ممّا أدّى إلى اشتباك مسلّح بين الرّجلين، أسفر عن مقتل كليهما. وبعد دفنهما توجّهت عائلتهما يوم الجمعة 4 آذار/ مارس إلى كنيسة الشهيدين الساعة العاشرة مساءً، من أجل تكسيرها وحرقها.

إلى هنا، نجد كافة عناصر الفتنة التي تنشأ من حين إلى آخر بين جماعات أهلية (طائفية أو غير طائفية في بلاد أخرى)، حيث يتحوّل نزاع فردي إلى خلاف بين مجموعتين تتصدّر كلّ واحدة منهما قيادة تقوم على الهويّة الطائفيّة لجماعة ضدّ أخرى، وتُؤجِّج الشّعور بالظلم والمظلومية، وتربطه بدور الضحية التاريخي. وفي حالة قضايا الشّرف، أي ما يمسّ المرأة بوصفها نقطة ضعف المجتمع الذكوري، يتخذ الموضوع الفردي بعداً متعلقا بشرف الجماعة. ويصحّ بذلك أيضا في حالة النقاش حول اعتناق فتاة مسيحية الإسلام وتحفّظ الكنيسة عليها في دير لمنع ذلك (تموز/ يوليو 2010)، وخروج مظاهرات إسلامية الطابع، بدت وكأنها للدفاع عن حقّ السيدة المدعوة كاميليا في اعتناق الإسلام[2]. ولكنها تحشد في نهاية المطاف لسياسات الهوية داخل المجتمع المصري. ويبلور التحشيد حول مثل هذه القضايا جمهوراً طائفياً على مقاس القيادات الطائفية.

ولكن الجديد هذه المرة هو انتشار تفسيرات عديدة لحادثة أطفيح، في سياق تفاعل نشطاء الثورة معها، وتمحور هذه التفسيرات حول كون الحادثة امتدادا لمحاولات غامضة لإشعال الفتنة الطائفية، وانتشرت شكوك في أنها تتم بفعل “طابور خامس” و”ميليشيات الثورة المضادة”، لأن الفتنة الطائفية هي أقصر الطرق لإجهاض ثورة 25 يناير.

وقد أصدر ائتلاف شباب ثورة 25 يناير بيانًا (9 آذار/ مارس) اتّهم فيه “ضبّاط أمن الدولة الطلقاء وفلول النظام” بأنهم المحرّضون على الفتنة والسّاعون لإحداثها، وانتقد الجيش صراحة لوقوفه موقف “المتفرّج” فيما “فلول النّظام تعبث وتتلاعب بأمن الوطن والمواطن”. وكان هذا أيضا موقف الإخوان المسلمين الذين اعتبروا أن “فلول النظام السابق من الحزب الوطني وأمن الدولة وراء إشعال الفتن الطائفية بين المسلمين والمسيحيّين”.[3]

وصدرت تقارير صحافية في أكثر من صحيفة مصرية ذكرت أنّ من يقف وراء الأحداث الطائفية الأخيرة هم بعض من قيادات أمن الدولة، الذين يتبعون المنهج القديم لفرض السيطرة عبر إثارة الفوضى والفتنة. ويتفق مع كلام هذه المصادر معتصمو ميدان التحرير الذين أرسلوا مذكّرة إلى الدكتور عصام شرف، رئيس مجلس الوزراء، قالوا فيها إن ضباط أمن دولة وقياديين في الحزب الوطني أشعلوا الفتنة ليشغلوا الرأي العام ويفلتوا من المساءلة. كما يتفق ذلك مع ما ورد على موقع “أقباط متحدون”، الذي نقل شهادات عن أهالي القرية جاء فيها أن من بين المتهمين “مخبر بأمن الدولة، وهو من حرّض باقي المتهمين على مهاجمة الكنيسة”[4].

واللافت أنه بعد أن كانت مثل هذه الأحداث تثير تحريضا طائفيا من قبل بعض كتاب الرأي كتاب، ساد بينهم ما يشبه الإجماع على أنّ عناصر جهاز أمن الدولة التي تآمرت على المجتمع بأسره في السابق مازالت تواصل تآمرها لإجهاض الثورة.

وقد انتشرت بعض أحداث العنف الطائفي على خلفية حادثة أطفيح، ففي مساء 8 آذار/ مارس وقعت اشتباكات في منطقة مصر القديمة وسط القاهرة بين مواطنين مسيحيّين خرجوا للاحتجاج على حرق الكنيسة ومواطنين مسلمين. وحسب التحقيقات الأوّلية للنّيابة العسكرية، فإنّ الاشتباكات بدأت حين نظّمت أعدادٌ كبيرة من المسيحيّين مظاهرة تضامناً مع الأقباط المعتصمين أمام مبنى الإذاعة والتليفزيون احتجاجا على إحراق كنيسة الشهيدين بقرية «صول»، وقطعوا الطريق، واشتبك معهم عدد من المسلمين. وانتهت الاشتباكات بتحطيم 7 محال وإشعال النيران في العديد من السيارات. وقد أدّت الاشتباكات إلى مقتل 10 مواطنين (14 حسب بيان وزارة الصحة) وإصابة 110 (140 حسب وزارة الصحة) (غير معروفة هوية القتلى والمصابين).

وتظاهر معتصمون أمام مبنى التلفزيون عدّة أيّام، في تقليد واضح لمظاهرات ميدان التحرير. فالأخيرة قدّمت كما يبدو نموذجا لمن يريد أن يبيّن أن لديه قضيّة عادلة. وكان مشهدا مصغّرا من ميدان التحرير، حيث تشكّلت لجان لتفتيش القادمين إلى مقرّ الاعتصام، ولجان لتوزيع الطعام والأغطية على المعتصمين، إضافةً إلى عدد من الإذاعات التي ردّد من خلالها المتظاهرون الهتافات والكلمات، إلاّ أنّ الأغاني الوطنيّة استُبدلت بترانيم، واستُبدلت أعلام مصر بصلبان. وذكرت بعض الخطابات أنّ التّظاهرة تطالب بأن يكون القبطي مواطنا من الدّرجة الأولى.

ولم يبْدُ أنّ الكنيسة تسيطر على المشهد الاحتجاجي، فوجود رجال دين بين المتظاهرين لم يكد يذكر، وأكّد المتظاهرون أنهم لم يأتوا وراء كاهن، وإنّما لتحقيق مطلب أن يكون القبطي “مواطن درجة أولى”، كما أنّ محاولات التّهدئة التي بادربها بعض قساوسة الكنيسة لم تنجح في ثنْي المعتصمين عن مواصلة اعتصامهم.

برزت نبرة تهدئة من قبل أساقفة الكنيسة القبطية في حديث الأنبا ثيودسيوس أسقف عام الجيزة، الذي توجّه للمعتصمين أمام مبنى التلفزيون بالقول إنّ الكنيسة لم تتهدّم بكاملها… وأنه تم تحقيق باقي المطالب بالحصول على ترخيص رسمي من محافظة حلوان لإعادة بناء كنيسة الشهيدين في مكانها، تنفيذاً لقرار المشير حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة، رئيس المجلس العسكري.

كما حرص القساوسة في مختلف الكنائس على نفي الإشاعات التي تحدّثت عن الهجوم على عدد من الكنائس والأديرة في مختلف أنحاء البلاد. وهي الإشاعات الناتجة عن استغاثات سيدات عبر فضائيات مسيحيّة بخصوص هجوم على عدد من الكنائس مثل مار جرجس في قرية صولو دير المحرق بأسيوط وكنيسة المعصرة بحلوان وكنيسة بني بخيت ببني سويف. هنا لعبت بعض القنوات الفضائيّة المسيحيّة دوراً لافتاً في إذكاء الغضب المسيحي وحثّ الجمهور على الخروج والتّظاهر احتجاجا على هجوم أطفيح، وهو ما يفسّر انضمام آلاف المواطنين الأقباط لتظاهرة ماسبيرو في الأيّام التي تلت الحادثة.

وفى سياق التهدئة توجّهت مجموعة من شباب ثورة 25 يناير إلى قرية «صول» بصحبة مجموعة من ناشطي المجتمع المدني والسياسيّين لتهدئة الأقباط الغاضبين. وأصدرت حركة «ماسبيرو ضدّ الطائفية» و«رابطة صحفيّي الملف القبطي» ومجموعة من الكهنة والقساوسة بيانا طالبوا فيه بإعادة بناء الكنيسة، وتشكيل لجنة لتقصّي الحقائق للتحقيق في الأحداث ومحاسبة المسؤولين عنها، مع ضرورة وضع ضمانات لتوفير الحماية للأقباط وضمان عودتهم إلى منازلهم وصرْف تعويضات عن الخسائر. ورفض المعتصمون أيّ محاولات للتّفاوض حول نقل الكنيسة وبنائها في موقع جديد بالقرية، واعتبروا أنّ مثل هذه الخطوة من شأنها جلب الدّمار وإذكاء الطائفيّة بين أبناء الوطن الواحد. ودعا «ائتلاف شباب الثورة» إلى تنظيم مظاهرة مليونية يوم الجمعة ( 11 آذار/ مارس) تحت شعار «في حبّ مصر»، لرفض الفتنة الطائفية وأحداث العنف التي شهدتها البلاد. لقد دخل هذه المرّة متغير جديد هو الشّعب والرّأي العام المصري الذي كان مغيَّبا في الماضي. وحين أعلن عن وجوده بقوّة في الثورة تبيّن أنّ هنالك تيارًا مركزياً في المجتمع المصري يرفض الفتنة الطائفية بصوت مرتفع، ولا ينجرّ وراءها، ويرفض أن يهمّشه أو يسكته استقطابٌ طائفي.

أمّا المجلس العسكري الذي يتولّى مهام الرئاسة المصرية فقد أصدر مجموعة قرارات فوريّة:

البدء في إعادة بناء كنيسة قرية صول في مكانها.
تمكين أهالي القرية من العودة إلى منازلهم.
القبض على مرتكبي جريمة هدم الكنيسة ونهب محتوياتها ومن يقفون وراءَهم.
الإفراج عن القسّ متاؤس المعتقل سياسيا.

و رغم التحرك الرسمي السّريع من خلال لقاء رئيس الوزراء بممثّلين عن المعتصمين أمام مبنى التلفزيون، وإصدار المجلس العسكري مجموعة قرارات أهمّها الشروع الفوري في إعادة بناء الكنيسة في مكانها، وإرسال قوّة عسكرية لحماية الكنيسة، وكذلك إيفاد قائد المنطقة العسكرية المركزية للتفاوض مع الأهالي، إلاّ أنّ الجيش بدا عاجزاً كلّيا عن إدارة الأزمة، ويتّضح ذلك من خلال:

أوّلا: الفشل في فضّ الاشتباكات الطائفية التي اندلعت ليلة 8 آذار/ مارس 2011 في منطقة مصر القديمة، وترك معركة تدور مدة ستّ ساعات كاملة من دون القدرة على التدخّل لفضّها حتى انتهت بلجوء السّكان الأقباط للاحتماء بالدير.

ثانيا: بدا الجيش عاجزًا أيضا عن إقناع الأهالي بإعادة بناء الكنيسة في موقعها. وفشل اجتماع ترأّسه اللّواء حسن الرويني قائد المنطقة العسكرية المركزية مع وفد إسلامي مسيحي في أطفيح في إقناع الأهالي بتنفيذ قرار المجلس العسكري بالشّروع في بناء الكنيسة على الفور. غير أنه تمّ لاحقاً إقناع الأهالي بإعادة بناء ما تهدّم من الكنيسة في مكانها بعد زيارات للقرية قام بها رجال دين مسلمون بعضهم محسوب على التّيار السّلفي (الشيخ محمد حسان). وبالنّسبة إلى دور الأزهر والدّعاة فقد كلّف الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وفدا رفيعَ المستوى بالتوجّه إلى قرية صول ولقاء أهلها من المسلمين والمسيحيين[5].

وقبل كتابة هذا التقرير كان مفتي الدّيار المصرية قد أعلن أنه سوف يصدر فتوى صريحة تحرّم التعدّي على الكنائس تحريما قاطعا، كما تمنع بناء مسجد مكان كنيسة، مهْما كانت الظروف.

استخلاصات أولية:

أظهرت حادثة الاعتداء على كنيسة، والاشتباكات الطائفية التي تلتها والتي عجز الجيش عن التدخّل لفضّها طيلة يوم كامل سقط خلاله قتلى وجرحى، نزعاتٍ وتطوّرات جديدة، ولكنها أعادت التأكيد على ملف مفتوح لا بدّ من معالجته:

أتت الثورة بجديد على مستوى سلوك شعب الثورة، وعلى مستوى الرأي العام المصري، بالإجماع على إدانة الفتنة، واتّهام فلول النظام بالوقوف خلفها.
كما أتت بجديد على مستوى حزْم المجلس العسكري في إدانتها وفي اتّخاذ خطوات حازمة من نوع إعادة بناء الكنيسة.
بدا أنّ سلوك رجال الدّين المسيحيّين أكثر اعتدالا من السابق في عمليّة تبنّي دور الضحيّة. وكان رجال الدّين المسلمون، بما فيهم الأزهر، حازمين في الإدانة بشكل غير مسبوق، كما أنّ فتوى الأزهر بمنع بناء مسجد مكان كنيسة هي تطوّر هام جدا.
من ناحية أخرى، نجد امتدادا للماضي في الشعور الواسع بالغبن لدى فئات واسعة من المواطنين المصريين الأقباط.
كما تأكد سلوك ريفي قديم يحوّل قضية عاطفية عابرة-للطوائف إلى قضية طائفية تؤدّي إلى العنف الطائفي. وهذا سلوك ينمّ عن ثقافة طائفية. ما يعني أنّ الطائفية في الوعي الاجتماعي اليومي ليست أمرًا مصطنعا، خاصّة عند الانفعال بخصوص قضايا الدّم والشّرف.

ومن هنا رأينا من المناسب البحث عن إجابة عن سؤال: هل يوجد ملف قبطي في مصر؟ وأن نميّز ما هو فعلي عمّا هو خيالي ومبالغ فيه عند تفصيل بنود هذا الملف. وهو ملفّ لا يمكن معالجته، برأينا جذريّا وللمدى البعيد، إلاّ في إطار دولة المواطنين وفي إطار الهويّة الوطنية المشتركة.

مقدمة


تواطأت الكنيسة، عن قصد وعن غير قصد، مع قوى أخرى قائمة في الدولة وفي بعض التيارات الإسلامية لمنع نشوء ثقافة وممارسة مواطنية مصرية.
وقد أثبتت مجريات الثورة المصرية ومدى ارتباط طموحات المصريين، أقباطا ومسلمين، بالثورة وتغيير النظام كوسيلة لتغيير أوضاعهم السياسية والاجتماعية، مدى اصطناع حالة الانفصال هذه.

أطلق العرب قبيل وجودهم في مصر على السّكان المحليّين لفظ ” القبط”، وكانوا يطلقون على مصر تسمية ” دار القبط”. وتنحدر كلمة ” قبطي” من التحريف اللغوي اليوناني “أيجبتوس”، حيث أطلقها اليونانيون على مصر ووادي النيل. إلاّ أنّ مصطلح “قبط” أو “أقباط” أصبح يدلّل إجرائيّا على المصريّين “المسيحيين”، في الوجود الإسلامي واعتناق غالبيّة السّكان المحليّين للإسلام.[6]

وغالبا ما تشير تسمية “أكبر الأقليات الدينية في مصر” إلى الأقباط، وذلك في ظلّ وجود أقليات أثنية أخرى. ويَعتبر أقباطٌ وغير أقباط، أنّ هذه التسمية تعدّ توصيفا أيديولوجيا ينمّ عن موقف كونه لا يعبّر عن تقسيم مواطني، وبالتالي فإنّ التعامل مع التبعيّة الدينية محدّدًا للأقلية وللأكثرية هو في حدّ ذاته افتراض أيديولوجي. فالأقباط مصريّون أصليون يصعب عليهم تقبّل اعتبارهم أقليّة، وأن يتمّ إدراجهم في إطار تعداد وصفي قائم على الدّين، وأن تختزل أهميّتهم إلى حساب نسبتهم المئوية بأرقام مثل (8 – 12)%، أو بما يعادل (6 – 10) ملايين نسمة من إجمالي تعداد السكان، وهو عدد كبير يساوي إحصائيا سكّان أقطار كاملة، حتى بمقاييس المنطقة العربية. وتشير مصادر رسميّة مصرية إلى أنّ عدد الكنائس في مصر يبلغ 2524 كنيسة، بينها 1319 كنيسة قبطيّة أرثوذكسية[7].

لو كان المعيار هو المواطنية والوطنية المصرية لكان الأقباط جزءًا من الأكثريّة المصرية وحتى العربية، كونهم تعرّبوا مثل بقيّة سكّان مصر الذين أسلموا واختلطوا واندمجوا ثقافيا عبر التاريخ، وحافظوا سويّة على هويّة مصر. والأهم من هذا كلّه، أنهم يرون أنفسهم استمرارا أصيلا لتاريخ مصر. وهذا مكوّن هامّ على مستوى الوعي بالهويّة يؤثّر في السّلوك السياسي. وحتى لو استخدم مصطلح الأقلية في وصف هذا النوع من المواطنين الأصيلين، فإن هذه الأقلية لا تقارن بالأقليات المهاجرة في الدول الأوروبية مثلا.

ينتمي معظم الأقباط في مصر إلى الكنيسة الأرثوذكسية المرقسية القبطية، ومقرّها الإسكندرية. وتتمتّع الكنيسة القبطية باستقلال ديني ومؤسّسي عن المراكز الكنيسية الأخرى في العالم، بمعنى أنها كنيسة وطنية مستقلة. و رغم أنّ أغلبية الأقباط في مصر هم من أتباع الكنيسة المحلية ” الأرثوذكسية القبطية”، إلاّ أنه يوجد عددٌ قليل من أتباع الكنيسة الكاثوليكية في روما، كما أنّ بين مسيحيّي مصر عدداً محدوداً من أتباع المذهب البروتستانتي/ الإنجيلي[8].

أولا: الأقباط في تاريخ مصر الحديث

عمل محمد علي باشا عقب تولّيه الحكم في مصر مطلع القرن التاسع عشر على إنشاء دولة حديثة تحاكي النّموذج الأوروبي، وذلك بالاستفادة من البعثات العلمية التي أرسلها إلى فرنسا للوقوف على معالم التجربة الفرنسية في مجال تحديث مؤسّسات الدولة. ويمكن القول إنّ محاولته كانت متواضعة مقارنة بالإصلاحات العثمانية المسمّاة بـ”التّنظيمات”، من حيث عمق الرؤية وحجم فئات النّخبة والكفاءات، ولكنها كانت قفزة هامّة في بناء الدولة المصريّة، وكان لها أثر في تحديث المجتمعات العربية بشكل عام. وقد انعكست آثار عملية بناء الدولة المصرية على أوضاع الأقباط في مصر. فمع بداية نشأة الدولة باعتبارها كيانا سياسيا تنشأ أيضا فكرة المواطنة. وأدّى نشوء المواطنة المصرية إلى تغيّر نوعي في أوضاع الأقباط. وبهذا المعنى، شكّل عهد محمد علي انعطافا في تعامل الدولة والمجتمع مع أوضاعهم، وذلك من خلال النزوع الذي ساد هذه الصيرورة نحو مساواة الأقباط ببقية المواطنين في الحقوق والواجبات.

لقد أزال محمد علي غالبية المظاهر التي كانت تؤكّد على تمييز الأقباط وتمايزهم، وأبرزُها قيد الزيّ الذي كان مفروضا عليهم في العصور السابقة[9]. وألغى القيود التي كانت تفرض عليهم بشأن الطقوس والشعائر ضامناً ممارسة طقوسهم الدينية بحريّة تامة. وأفسح المجال للموافقة على طلبات بناء الكنائس وإصلاحها ومساعدتهم في ذلك من خزينة الدولة.

وممّا يجدر ذكره على مستوى المنزلة الاجتماعية/السياسية أنّ محمد علي كان أوّل حاكم مسلم منح الموظّفين الأقباط رتبة “البكوية” واتخذ مستشارين منهم.

وفي عهد سعيد باشا، اقترب التعامل مع الأقباط خطوات أخرى من مفهوم وممارسة “المواطنة”، وذلك من خلال إلغاء الجزية المفروضة عليهم منذ فتْح مصر في منتصف القرن السابع. وقد فسح ذلك المجال لفرض الخدمة العسكرية عليهم، وهذا من أهمّ مؤشّرات التخلّص من الذمّة والذمية، ودخل الأقباط لأوّل مرة في سلك القضاء والجيش. فبحسب المفهوم الفرنسي للخدمة العسكرية الإلزامية في ذلك الوقت، فإنّ هذا الإجراء له دلالات متعلقة بـ”المواطنة”، خاصة وأنّ الثورة الفرنسية طالبت بتعميم الخدمة العسكرية بعد أن كانت حكراً على طبقة اجتماعية ومن ميزات فروسيّة الأرستقراطية. وفي إطار سياسة الانفتاح تجاه الأقباط، عيّن سعيد باشا الأول مصرياً مسيحياً حاكماً على السودان.

وشهدت أوضاع الأقباط في عهد الخديوي إسماعيل (1863-1878) تحسّناً ملحوظاً من خلال الزيادة العددية والارتقاء العمودي في سلم وظائف الدولة، حيث حصل بعضهم على رتبة “الباشوية”. كما دعم الخديوي إسماعيل التعليم الديني ” القبطي” مادياً في إطار المدارس المشتركة مع المسلمين[10].

وترسّخ مفهوم وممارسة مواطنة الأقباط في الدولة المصرية حتى بلغا خلال العقدين الأول والثاني من القرن العشرين حدّ تولّي إثنين من الأقباط رئاسة الوزراء وهما بطرس غالي باشا (1908-1910) ويوسف وهبة باشا (1919-1920). وجرى العرف منذ عام 1883 على تعيين قبطي واحد في كلّ وزارة، ثم ارتفع عددهم إلى إثنين لأوّل مرّة عام 1924 عندما شكّل سعد زغلول وزارته.

وبالمحصلة، يرى العديد من الباحثين أنّ طبيعة النظام الاقتصادي الذي كان قائما في العهد الخديوي والمعتمد على الفئات البرجوازية والإقطاعية، أفسح المجال للنّخب القبطية للتعاطي بإيجابية مع النّظام السياسي، إلى حدّ جعل بعضهم يصف العهد الخديوي بالعصر الذهبي للأقباط في تاريخ مصر الحديث، وذلك بناءً على مؤشّرات عديدة أبرزهاالانتقال في التعاطي معهم من أقلية “نظام الملل” إلى “مواطنين” في الدولة الحديثة، إضافة لازدياد مستوى ونوعيّة مشاركتهم السياسية، التي تُوّجت في حكومات عهد الملك فاروق بتبوّء أقباط منصب الوزارة 12 مرّة. وهو الرقم الأكبر في عهد أيّ حاكم في تاريخ مصر الحديث.

هنا علينا أن نسجّل تحفّظا هاما، فإذا صحّ توصيف “العصر الذهبي”، المبالغ فيه، فإنه ينطبق على النّخب القبطية من برجوازية صاعدة وإقطاعيّين ومهنيّين، على اعتبار أنّ الفئات الاجتماعية الدنيا، والتي لم تصلها بواكير المواطنة، ظلّت تعيش تحت وطأة التّهميش الاجتماعي والاقتصادي في الأرياف، سواء كان أفراد هذه الفئات من المسلمين أو المسيحيّين.

بعد ثورة تموز/ يوليو 1952 تعرّضت أوضاع الأقباط في عهد جمال عبد الناصر لتناقضات عديدة، فالأقباط المندرجون ضمن الفئات الاجتماعية الدنيا في المجتمع المصري والتي خضعت للإقطاعيّين والبرجوازيّين، نظروا إلى الثورة وإجراءاتها كما نظرت تلك الفئات بإيجابية خاصّة إلى ما يتعلّق بالتأميم وقانون الإصلاح الزّراعي. في حين أنّ النخبة الاقتصادية القبطية (الليبرالية)، والتي انتعشت في العهد الخديوي، تأثّرت سلبا بهذه الإجراءات، واختلفت طريقة تعاطيها سياسيا مع نظام ما بعد الثورة، نتيجة بروز متغيّريْن رئيسيْن في تلك المرحلة تتناقض معهما أيديولوجياً ومصلحيا، وهما التيّار الاشتراكي الذي تطوّرت إليه الثورة وجمال عبد الناصر بالتدريج، والمدّ الإسلامي من خلال جماعة الإخوان المسلمين وتغلغلهم في مؤسّسات الدولة عامّة والجيش خاصّة[11]. وقد تراجع العامل الأخير كما هو معروف لاحقا ، غير أنّ الانقلاب في وضع الإخوان في صراعهم مع النظام وتعرّضهم للملاحقة لم يؤدّ إلى تحسّن منزلة الأقباط السياسيّة عموما. وبالتالي لا يمكن اعتباره متغيراً مهماً في العلاقة بين الأقباط والدولة، بمعنى آخر فإن ملاحقة التيار الإسلامي و تحجيمه لم يؤدّيا إلى تحسّن وضع الأقباط، وبالتالي ليس ثمّة علاقة تناسبيّة مباشرة بين المتغيّرين.

لقد تضافرت هذه العوامل، على الأخصّ في السّنوات الأولى من ثورة تموز/ يوليو، لتولّد مواقف واتّجاهات معارضة في مواجهة النّظام الجديد، أو مواقف حذرة ومتردّدة في قطاعات مختلفة من هذه الفئات، بما فيها الفئات الوسطى الإسلامية والمسيحيّة معاً.

غير أنّه ثمّة عوامل إضافيّة كانت مرشّحة في تلك المرحلة لأن تدفع بقطاعات من المتعلّمين والمثقّفين الأقباط إلى طرح تساؤلات أو إبداء تحفّظات، وحتى إلى معارضة النّظام الجديد مع ميْل إلى الانسحاب من الحياة السياسية[12]. والواقع أنّ الأقباط ليسوا وحدهم من انسحب أو فُرض عليه الانسحاب من الحياة السياسية. فالنظام السّياسي الذي تشكّل وسيطر عليه التيار المُعادي للدّيمقراطية في صفوف الضبّاط الأحرار، أقصى كلّ من يعارضه أو يخالفه الرّأي. كما لا يعني هذا أنّ الأقباط تصرّفوا ككتلة متجانسة وبناءً على قرارٍ جماعي بالانسحاب من الحياة السّياسية.

وتَبلور موقف الأقباط خلال هذه الفترة بناءً على حقيقتيْن رئيستين:

لم يوجد أيّ مواطن مصري قبطي في مجلس قيادة الثّورة. ويعزى هذا الغياب إلى أنّ الجيش قبل ثورة تموز/ يوليو كان يخضع للنّفوذ التقليدي للملك، ولم يكن لحزب الوفد في هذه المؤسّسة نفوذ مؤثّر، لذلك بقي فيها أثر للتّفرقة بين المسلمين والأقباط، خاصّة في الرّتب العليا.
إلغاء جمال عبد الناصر لقانون الأحزاب السياسية، واستثناء تنظيم الإخوان المسلمين من هذه الخطوة، لأنّها ليست حزبا، ولأنّ ضبّاطاً في مجلس قيادة الثورة كانوا ينتمون إلى الجماعة. هذا الأمر ترك انطباعا لدى الأقباط بأنّ نظام عبد النّاصر يتحالف مع الإخوان المسلمين.

بعد اصطدام جماعة الإخوان المسلمين مع عبد النّاصر في أواخر العام 1945 تبدّد هاجس التّحالف بين عبدالناصر والإخوان. ومع ذلك ظلّ الدّين حاضراً، وقد استخدمه عبد الناصر وظيفياً للمزايدة “تكتيكيا” على الإخوان المسلمين. وتجسّد ذلك في مجموعة قرارات وخطوات مثل:

جعل الدّين مادّة أساسية في مختلف مراحل التعليم تحدّد نتيجة النّجاح والرّسوب.
إنشاء جامعة الأزهر المقصورة على الطلبة المسلمين، وإعلاء شأن الأزهر والمؤسّسة الدينية وذلك عبر إصدار قانون رقم 103/1961، والذي عرف بقانون الأزهر بحجّة تنظيم عمل المؤسّسة الدينية، فيما لم يكن القانون سوى محاولة لاحتواء هذه المؤسسة ونزع استقلاليتها، لتصبح مؤسّسة حكومية وشيخ الأزهر مجرد موظف عمومي، واستخدامها أيضا ضمن أدوات توسيع نفوذ مصر النّاصريّة في العالم العربي والإسلامي عموما. ولكن الأزهر عرف كيف يستغلّ هذه الحاجة عند النظام لكي يقوّي نفسه في مجالات مختلفة اجتماعيّة وتربويّة مختلفة وكمرجع ديني.
إنشاء دار القرآن عام 1964، من أجل نشر التّراث القرآني وإنشاء إذاعة القرآن الكريم[13].

وفي المقابل مثّلت الإجراءات الاشتراكية الاجتماعية، ومنح المواطنين فرصاً متساوية، جانبا إيجابيا لحكم عبدالناصر. فرغم السياسات الموصوفة أعلاه، كانت سياسته تقدّم نفسها على أنها وطنيّة عامّة يستفيد من خدماتها الجميع من مسلمين وأقباط.

بعد إلغاء الأحزاب السّياسية ابتداءً من كانون الثاني/ يناير 1953، بات من الصّعب على أيّ قبطي يرشّح نفسه للانتخابات العامّة أن ينجح في الوصول إلى المجلس النيابي. ونتيجة ذلك، لم ينجح في انتخابات مجلس الأمّة في عام 1957 سوى قبطي واحد عن دائرة شبرا (شمال القاهرة)، هو فايق فريد. ولمعالجة الأمر، ابتكر عبد الناصر مبدأ دستورياً جديداً هو «التعيين»، وأدخل مادة جديدة على الدستور المؤقّت عام 1956، تسمح له بتعيين عشرة أعضاء في مجلس الأمة[14]. وظلّ هذا المبدأ يرافق تعيين أقباط في مجلس الشعب حتى عهد مبارك. ويؤخذ على هذا المبدأ أنه أخطأ الهدف وأسهم في استبعاد النوّاب الأقباط من انتخابات مجلس الأمّة، وأظهر وجودهم في مجلس الأمّة على أنه “مكرمة”، مكرِّسا نوعًا من فصل الأقباط أو خصّهم بمعاملة مختلفة عن معاملة بقيّة الشّعب المصري الذي ينتمون إليه.

إنّ تحول الدولة إلى تبنِّي مواقف دينيّة وتشجيع تديّنٍ إسلامي معيّن ضدّ التديّن السّياسي، أنتج ظاهرة مرافقة هي شعور الأقباط بأنهم غرباء عن هذه اللعبة الدائرة، في حين أنهم ليسوا ضيوفا بل هم مصريّون أصيلون. وبرأينا، فإنّ تراكم هذا البعد الوجداني، وليس التمييز الذي يقاس بالأرقام فقط، هو الأمر الأكثر أهميّة لناحية تبلور الهويّة المختلفة، وعلى مستوى تسييس هذه الهويّة.

تميّزت بداية عهد السادات بالعمل الحثيث لضرب الإرث الناصري في الدولة والمجتمع والإعلام، حتى لو تطلّب الأمر التّحالف مع الجماعات الإسلامية والإخوان. وقد أطلق السادات سراح المعتقلين الإسلاميّين. وكتب غالي شكري في وصف أثر ذلك في العلاقة مع الأقباط: “لم يبدأ التطرّف وانعكاسه المباشر على الأقباط إلاّ في عهد السّادات، حين خرج المعتقلون بكلّ ما في صدورهم من غضب لم يكن تفجيره في وجه الدولة ممكناً، فهي التي أخرجتهم، فتحوّل بعضهم بهذا الغضب نحو المسيحيّين الذين لم يسجنوهم ولم يعتدوا عليهم قط”[15]. وقد انتشرت أفكار عن السّادات وتصريحات منسوبة إليه ضدّ الأقباط، يعود بعضها إلى مرحلة عبد الناصرـ مثل تصريحه في جدة حين أوكل إليه منصب السكرتير العام للمجلس الإسلامي عام 1965، وتفاخر بأنه “سيحوّل أقباط مصر إلى الإسلام خلال عشر سنوات، أو سيتم تحويلهم إلى ماسحي أحذية وشحاذين”[16].

ولم تكن فترة السادات قطعًا مباشرا مع المرحلة الناصرية، ولكن تطوّرات هامة أماطت عنه حتى لثام الإيديولوجية القومية التي تشمل الأقباط بصفتهم عربا ومصريّين. فقد عمد أنور السادات في بداية عهده إلى التخلص من التيار الناصري واليساري، من خلال استخدام التيار الديني “الأصولي” و تشجيعه. وقد أدّى ذلك إلى انتشار الخطاب الديني الإسلامي بشكل غير مسبوق[17]، الأمر الذي أثّر سلبا في أقباط مصر. وبرز ذلك عندما تمّ إضافة “الإسلام دين الدولة، والشريعة مصدر رئيس للتشريع” إلى المادة الثانية من دستور عام 1971، لتصبح بعدها “الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع” بحسب تعديل عام 1980. فازدادت الهوة بين الأقباط والدولة خاصة بعد وضع “الشروط العشرة” لبناء الكنائس وترميمها. وقد ترافق ذلك مع حالة “اغتراب”، عاشها الأقباط في سبعينات القرن المنصرم، نتيجة محاولة التيار الديني “المتحالف مع السادات” طرح مسائل فقهية تتعلق بوضعهم القانوني ضمن الدولة والمجتمع المصري على أساس مفهوم “أهل الذمة”، الذي عاد إلى التداول بعد غياب طويل.


لقد فُقدت المساواة مع فقدان الديمقراطية أيضاً، كما أن انشغال جهاز الدولة في مصر بضمان مصالح نخبه الاقتصادية والسياسية والتبعية لمصالح قوى خارجية. وتفاعل هذا كله مع قضية التوريث، قد تناقض مع القيام بمسؤوليات الدولة تجاه تحقيق مفهوم المواطنة

وقد انسحبت المعطيات السابقة أيضا على عملية المشاركة السياسية للمواطنين المصريين الأقباط، حيث تمّ استبعادهم من القوائم الانتخابية للحزب الوطني بذريعة عدم قدرتهم على الفوز، كما استبعد طرح مشاكلهم الاجتماعية وهمومهم الحياتية في برامج الأحزاب السياسية الأخرى[18]. ومقولة تضاؤل فرصة الفوز، هي موقف والموقف قد صنع واقعا. فهي تفترض وجود نمط تصويت طائفي عند المواطنين المصريين، ويسلّم قائلها بافتراضه هذا، ثم يكرسها عبر سلوكه السياسي (عدم ترشيح الأقباط) فتتحول إلى نبوءة تتحقق بذاتها.

وفي عهد مبارك تباينت تقييمات المواطنين المصريين الأقباط لأوضاعهم وفق اتّجاهين رئيسين:

الاتجاه الأول: ينظر بإيجابية إلى سياسة مبارك في التّعاطي معهم، من خلال إجراء مقارنة مع الماضي (السادات). ويدلل على ذلك بالمرونة الـ “نسبية” في إجراءات بناء الكنائس واعتبار عيد الميلاد المسيحي عطلة رسمية للدولة، وتدخل القيادات العليا لحلّ بعض مشاكلهم وإجراءات أخرى.

الاتجاه الثاني: يعتبر أنّ الشارع المصري أصبح أكثر تشدّداً وأن الدولة لجأت إلى محاربة التيار الأصولي أو المهادنة معه بشكل جعلها تغفل الأقباط وقضاياهم، إلاّ في بعض المسائل المتعلقة بالمرافق، وفي بعض القضايا الاجتماعية أيضا.

ومن خلال استقراء واقع المواطنين الأقباط في مصر، يمكن ملاحظة انفتاح بسيط من الدولة في عهد مبارك، دون إحداث قطيعة مع الممارسات الإلغائية في عهد السادات. إذ ظلّت المشاركة السياسية تقتصر على بعض النوّاب المعينين أو الوزراء في وزارات غير سيادية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، اقتصر تمثيل الوزراء من أصل قبطي في الحكومة الأخيرة قبيل بدء الثورة الشعبية على إثنين فقط، هما يوسف بطرس غالي في وزارة المالية وماجد جورج في وزارة البيئة. وبعد تكليف أحمد شفيق بتشكيل الحكومة احتفظ وزير البيئة فقط بمنصبه.

وغالبا ما يعمد الحزب الوطني إلى إلغاء ترشيح بعض النواب الأقباط عن الدوائر الانتخابية بحجة عدم قدرتهم على الفوز، حيث تم في الانتخابات الأخيرة استبعاد مرشحين بعد أن طرحت أسماؤهم في لوائح الحزب الوطني في انتخابات مجلس الشورى. ويقتصر النظام الرسمي على ضمان مشاركة صورية للمواطنين الأقباط، من خلال تعيين الرئيس للنواب الأقباط في مجلس الشعب. ففي انتخابات عام 2010 قبل تفجيرات الإسكندرية، عيّن الرئيس المخلوع حسني مبارك سبعة نوّاب أقباط من أصل عشرة يضمن له الدستور تعيينهم.

ثانيا: خلفية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية:

الوضع الاقتصادي

لا يقتصر وجود المصريين الأقباط على مهنة أو مهن محددة دون غيرها، فهم يمارسون مختلف المهن وينشطون في مختلف القطاعات الاقتصادية إلى جانب المصريين المسلمين، حيث يتوزعون على مختلف الطبقات والشرائح، فبينهم كبار التجار والمقاولين كما يشكلون جزءًا من الفئات الوسطى من ملاّك العقارات في المدن والمزارعين في الرّيف. ويتوزّع عدد كبير منهم على المهن الحرّة والتخصّصية كالطبّ والهندسة والمحاماة والمحاسبة، ويشغل بعضهم وظائف في القطاع العام والمواقع الإعلامية والأدبيّة والفنية، إضافة إلى وجودهم في صفوف البرجوازيّة الصغيرة، كما أنّ بينهم فلاّحين وعمالاً.[20]ومن هذه الناحية لا يوجد فرق جوهري في التّوزيع الطبقي للأقباط وبقية المصريين. فالأقباط مندمجون في كافة الطبقات الاجتماعية والفئات السكانية في مصر.

أعلنت الحكومة المصريّة عام 2007، في معرض ردّها الرّسمي على تقرير منظّمة العفو الدولية، الذي اعتبر أنّ المصريّين الأقباط يعانون من التّمييز والاضطهاد في أكثر من مجال، بأن الأقباط يمتلكون ما يزيد عن ثلث الثروة القومية، رغم أنّ نسبتهم تبلغ 10% من مجموع السكّان. وأشارت وزيرة القوى العاملة والهجرة آنذاك عائشة عبد الهادي إلى أنّ أقباطا يملكون كبرى الشّركات المصرية، كما يشغلون نسبة عالية من إجمالي الوظائف التخصّصية والراقية مثل الصّيدلة والطبّ، وتصل نسبتهم في عضوية النقابات المهنية إلى ‏25%‏ تقريبا من إجمالي الأعضاء[21]‏.

من جهة أخرى، تشير تقارير اقتصادية غير رسميّة إلى أنّ 75% من وسائل النقل و44% من الصناعة و51% من البنوك و34% من الأراضي الزراعيّة يملكها أقباط، وهذا يعني أنّ هؤلاء يمتلكون ربع إجمالي الثروة القومية. وجاء في تقرير مجلة “فوربس” أنّ ثلاثة من المصريّين الأقباط أُدرجوا في قائمة أغنى أثرياء العالم، بالإضافة إلى عشرة آخرين في المنطقة العربية.[22] ويجب الإشارة هنا إلى شكوك حول دقّة هذه الإحصائيات. كما أنّ عملية التقسيم هذه في تحديد نسب ملكية جماعات سكانية للثروة القومية هي عملية منافية لتعريف الثروة القومية ولأيّ فهم علمي للاقتصاد بشكل عام، فضلا عن أنّ هذا الفصل معادٍ لمفهوم الأمّة والمواطنة. ولكن الحقيقة الثابتة فيها أنّ هنالك تفاوتاً بين الحراك الاقتصادي للمواطنين المصريّين من أصل قبطي وبين أوضاعهم السياسية والقانونية. وهو أمر لا يخفّف على المواطن المنتج والنّاجح اقتصاديّا بل يضاعف شعوره بالخيبة. فهو يتوقّع بإلحاحٍ أكبرَ تعاملاً سياسيا وقانونيا يساوي بينه وبين بقيّة المواطنين.

وفي هذا السّياق تبرز حقيقة أنّ بعض الوظائف الهامّة في الدولة ما زالت مغلقة أمام المواطنين المصريّين الأقباط، وأنّ نسبة تمثيلهم في حقول القضاء، والإعلام، والبعثات الدبلوماسية، والجيش والشرطة لا تتجاوز معدل 2%. وعلى سبيل المثال، هناك 17 جامعة حكومية في مصر، لكلّ واحدة منها مدير وثلاثة أو أربعة نوّاب بمجموع 71منصبا، ولا نجد في هذه المناصب قبطيا واحدًا. كما يوجد 274 عميداً في هذه الجامعات، وليس بينهم سوى قبطي واحد[23].

مصادر متنوّعة للشكوى من الغبن:

التعليم:

تأخذ قوى اجتماعية وسياسية قبطية على النظام التعليمي المصري مآخذ كثيرة منها:

تجاهل مناهج التعليم حقبة طويلة من التاريخ القبطي، تبدأ بدخول المسيحية إلى مصر وحتّى الوجود العربي الإسلامي.
تجاهل الدّيانة المسيحية، التي يدين بها جزءٌ كبير نسبياً من المصريّين في مقرّرات المدارس، حيث توضع نصوص قرآنيّة وأحاديث شريفة كمحفوظات في مادّة النّصوص مثلا، بينما تستبعد تماما أيّة ألفاظ أو عبارات تشير ولو من بعيد إلى آيات من الإنجيل. توجد حصص للتّربية الدينية في المدارس، تدرّس فيها المسيحيّة للمسيحيّين والدّين الإسلامي للمسلمين. ولا يُفرض على المسيحيّين حضور حصص الدّين الإسلامي، وحقيقة الأمر أنّ المسيحيّين لم يعترضوا على إضافة حصص لتدريس مادّة الدّين في المدارس، وإنّما اعترضوا على إدراج نصوص من القرآن في مادّة اللّغة العربيّة يفرض على الطلاّب -ومنهم المسيحيّون بالطبع- دراستها وربما حفْظها أحيانا.
غير أنّ من يقول بغياب نصوص قبطية يفوته أنّ القرآن يُدرس في هذا الإطار بوصفه نصاً لغوياً، وليس نصاً دينياً. ولم يُسمع هذا الاعتراض إلاّ حديثاً ومن أطراف قبطية ليست محسوبة على التيّار المركزي بين الأقباط، ونما نتيجة أجواء التوتّر الطائفي. أمّا بالنسبة إلى غياب التاريخ المسيحي من كتب التاريخ، وغياب دور المسيحية في تشكّل الهوية الوطنية والشخصية المصرية فهذا واضح بالتأكيد.
التمييز في مدّة التجنيد لحَفظة القرآن الكريم إلى سنة واحدة لغير حاملي المؤهّلات بدلا من ثلاث سنوات، بينما لا يتمتّع المجنّدون غير المسلمين بهذه الميزة حتّى لو حفظوا كتابهم المقدّس كله[24].
يشتكي الأقباط من تغيير تحيّة العلم الوطني بالقَسَم الإسلامي وتلاوة أناشيد دينية بدلاً من أناشيد وطنية.

وهذا الادّعاء غير صحيح.. فلا تزال تحيّة العلم الوطني قائمة في المدارس، وقد حدث بعض التغيير خلال فترة المدّ الديني، وفي بعض المدارس وليس كلّها وبمبادرات فردية، يقول بمقتضاه الطلاّب “الله أكبر وتحيا مصر” بدلا من “تحيا جمهورية مصر العربية”، التي كان الطلاّب يردّدونها ثلاث مرات في طابور الصباح حتى منتصف التّسعينات.

تدّعي الحكومة المصرية أنها تعمل على تعديل مناهج التعليم في مصر لتعبّر عن المطالب القبطية السابقة، فقد قدّمت يوم 18/04/2010 مقترحا وزاريا بتأليف كتاب مشترك يتضمّن قيم الأديان الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية، ويدرّس في المدارس[25]. ويتّضح من النص أنّ هذا التغيير موجّه لإرضاء الولايات المتحدة التي ينشط فيها لوبي قبطي، أكثر ممّا يقصد منه فعلا الاعتراف بالتّنوّع الديني في إطار الجماعة الوطنية وثقافتها المشتركة. وكمثال على ذلك ما صرّح به وزير التربية والتعليم المصري أحمد زكي بدر بتاريخ 27/04/2010 بأنّ الوزارة ودار الإفتاء المصرية ستُجْريان تعديلات في مناهج التربية الدينية من الصفّ الأوّل الابتدائي حتى الصفّ الثالث الثانوي اعتباراً من العام الدراسي 2011/2012.[26]

بناء الكنائس وترميمها:

“أيّ نظام جديد في مصر تتوفّر لديه النية لذلك يجب أن يعترف أولا بوجود الملف، وهو مركب من قضايا ذات علاقة بهوية الدولة، والتعامل مع الأقباط كأقلية يمارس معها التسامح. هنا مكمن الخطر، فالأقباط ليسوا في حاجة إلى تسامح، وهم لا يمثّلون رأيا مختلفا يمكن التعامل معه بمقاربة تعدّدية تسامحية. إنهم مواطنون أصيلون لا يحتملون من حيث وعيهم بذاتهم أيّ نوع من التمييز. ومن هنا فإنّ المفتاح للتعامل مع هذا الملفّ هو المواطنة المتساوية.”

يشكو المصريون الأقباط من تضييق الحكومة على بناء الكنائس وترميمها، حيث يسري إجراءٌ أسسه قانونٌ عثماني سنة 1856م، ينصّ على أنّ غير المسلمين يحتاجون إلى إذن من رئيس الدولة لبناء مكان العبادة[27].

وكما أسلفنا حصلت تسهيلات قانونيّة في عهد مبارك، فقد أصدر رئيس الجمهورية قانوناً جديداً في عام 1999 ينص على أنّ ترميم دُور العبادة كلها، سواء كانت مساجد أو كنائس هو من اختصاص الإدارة الهندسية في المراكز والمدن. بيد أنه وبعد مطالب واحتجاجات قبطية، أصدرت محكمة مصرية حكمًا يرسي مبدأً قانونياً جديداً بخصوص ترميم الكنائس في مصر – القضية رقم 3714 لسنة 2010 / جنح- وينصّ على عدم الرجوع إلى أيّ جهة من جهات الإدارة أو حتى أمن الدولة والأجهزة المحليّة قبل مباشرة أعمال الترميم[28].

لكن هذا الحكم لم ينفّذ فعلياً بسبب رفض الجهات الأمنيّة. واستمرّت ازدواجية تعامل الدولة مع المواطنين متمثّلة في التفريق بين قواعد وأنظمة بناء المساجد والكنائس في البلد.

وتتواتر الدراسات التي تؤكد وجود تمييز ضدّ الأقباط في مصر، مشيرة إلى فشل الدولة في التعامل مع المسألة القبطية وفي حماية مواطنيها، خاصّة بعد أن تبيّن أن جلّ اهتمام الحكومة في وقت مبارك كان التركيز على حماية نفسها وحماية مصالحها. وتخطئ إحدى هذه الدراسات التي تسحب ما قلناه سابقا عن بداية عهد السادات على مرحلة مبارك، فتذكر النظام في عهد مبارك مال إلى استرضاء الجماعات الإسلامية التي تتزايد قوتها في البلد، مما أنتج تمييزاً واضحاً ضد الأقباط. فلا توجد أدلة على استرضاء نظام مبارك للإسلاميين[29].

ثالثا: الأقباط والمواطنة

يرى الكاتب المصري علاء الأسواني أن مشكلة التمييز ضد الأقباط قد بدأت مع السادات حين أعلن أنه “رئيس مسلم لدولة مسلمة”، وأن الاحتقان في مصر سببه غياب مشروع وطني جامع، إضافة إلى انتشار الفكر السلفي المتشدد الوافد على مصر، وعوامل أخرى مثل الفقر والإحباط والبطالة التي زادت من معدل “الكراهية” في المجتمع، بالإضافة إلى “تخبط سياسة الدولة فيما يخص الشأن الطائفي”. فلأن النظام يصاب بالفزع من أي ضغط خارجي، ولأنه يعتمد دائماً على أجهزة الأمن القمعية، ولأن النيابة العامة واقعة بالكامل تحت تأثير وزير العدل الذي يعيّنه الرئيس مبارك ويعطيه التعليمات. فقد أدّى كلّ ذلك إلى تأرجح سياسة الدولة فيما يخصّ الأقباط، فمرّة يُخالف القانون لإرضاء الأقباط كما حدث في واقعة “وفاء قسطنطين” التي تقاعست الدولة عن حمايتها وسلّمتها إلى الكنيسة.. ومرّة يتخاذل النظام عن حماية الأقباط، كما حدث في واقعة الاعتداء على الكنيسة في الإسكندرية. وقد أدّى هذا التخبّط إلى فقدان الثقة في القانون ودفع الناس إلى انتزاع حقوقهم بأيديهم فحدثت جرائم بشعة…”[30].

ويتابع الأسواني حديثه بأنه و رغم وجود قضية قبطية في حدّ ذاتها إلاّ أن هناك قضايا مترافقة لابدّ من ملاحظتها. من ذلك أنّ هناك مشاكل عامة في البلد يعاني منها الجميع من مسلمين وأقباط، مثل الحرمان من التعليم وعدم تكافؤ الفرص والتعرض للظلم والفساد، فنضال الأقباط يجب أن يندرج تحت نضال المواطنين جميعا في مصر. وهو يعلّق قائلاً: “عقد أقباط المهجر مؤتمرات عديدة لم يطالبوا خلالها أبداً بتطبيق ديمقراطية حقيقية أو منع تزوير الانتخابات أو إلغاء قانون الطوارئ أو الإفراج عن المعتقلين.. وإنما تركّزت كلّ مطالبهم في تحقيق امتيازات للأقباط!”[31].

أثارت تصريحات صدرت عن الأنبا بيشوي سكرتير المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية المصرية قال فيها “إنّ الأقباط هم أصحاب مصر الأصليّون وأنّ المسلمين ضيوف”، جدلاً على المستوى الرسمي والشّعبي المصري. وقد صدرت مثل هذه المواقف عن ممثّلي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في عدّة مناسبات سابقة، كما في محاضرة الأنبا توماس في الولايات المتحدة الأميركية. وبدأت هذه الرؤية السياسية القوميّة تنتشر في الوسط القبطي نتيجة خروجها للعلن.

ولهذه التصريحات دلالة عميقة فيما يتعلق بغياب فهم المواطنة، الذي كانت توسم به مواقف الأوساط الإسلامية بخصوص الأقباط، إذ أصبح ظاهرا في أوساط كنسية أيضا. فهذه التصريحات تعبّر عن رؤية ذات بعد سياسي يحاول التأسيس تاريخيا لحاضر مصري منفصل عن العروبة والإسلام، ولواقعٍ لأقباط مصر منفصل عن بقية المصريين المسلمين. إنها تؤسس لـ “مصرية” خالصة ليست لها أيّ روابط بِهويّة العالم العربي أو الإسلامي. زاوية النظر الانعزالية هذه، لا ترى أن معتنقي الإسلام في مصر هم مصريون حتى لو لم يكن الإسلام قائما في البلاد منذ بدء التاريخ، تماماً كما أنّ المسيحية لم تكن في مصر منذ بدء التاريخ، ولكن اعتنقها مصريون.

من هنا فإن التعامل مع الإسلام باعتباره ظاهرة دخلت مصر، هو صحيح تاريخيا، وصحيح تاريخيا أيضا أنّ المسيحية دخلت مصر، ولكن المسلمين والمسيحيين هم مصريون، وهم جميعا عرب ينطقون بالعربية ويتخيلون ويحلمون بها.

هنا نجد مثالا هاما لموقف انعزالي قبطي ينقض ذاته. فهو موقف يطالب بمساواة وهو في الوقت ذاته ينقض إطارها الحضاري والمدني المشترك الذي يجمع المواطنين المصريين. ومن هنا نجد أيضا أن اللوبيات القبطية في الولايات المتحدة لم تعمل من أجل مواطنة مصرية متساوية في ظل نظام ديمقراطي، ولم تناضل ضدّ الاستبداد والظلم اللاحق بالمسلمين والمسيحيين. كما لم تجد بعض الأوساط الكنسية والقبطية مانعا في عقد مساومات مع عملية التوريث لجمال مبارك أو غيره، في مقابل ما اعتقدت هي أنه منْح حقوق لمواطنين مصريين أقباط. وتناست التناقض بين منْح المكرمات في صفقات سياسية وبين مفهوم المواطنة، وعمّقت بذلك عملية الفصل بين مطالبها وبين النضال من أجل الديمقراطية والمواطنة المتساوية. يبرز هنا نموذج الناشط القبطي في المهجر مايكل منير. فقد قاد حملات نقد عنيفة ضدّ نظام حسني مبارك ونظّم أنشطة احتجاجية لأقباط المهجر في واشنطن، غير أنه عاد إلى مصر بمقتضى صفقة بينه وبين النظام وأنشأ منظمة حقوقية تُعنى بشؤون الأقباط “إيد في إيد”، وحين زارمبارك واشنطن في أغسطس 2008 رفض منير أن يشارك في تظاهرات مناهضة له نظّمها أقباط المهجر.

ولكن رغم هذا النقد، فإن الدولة ونظام الحكم تحديدا هو من يتحمل المسؤولية الأساسية عن وضع الأقباط. ولا بد من بحث مسؤولية نظام الحكم في مصر، وفشله في بناء المواطنة المصرية المتساوية والمتكاملة في إطار الانتماء العربي وفي فضاء الحضارة الإسلامية، وفي ترسيخ عمومية مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون، وفي إيجاد صيغ تحقّق التكامل الوطني من خلال ضمان الحقوق والواجبات لكل المواطنين دون تمييز على أساس ديني أو عرقي.

لم تعرف الدساتير والوثائق القانونية الأساسية في مصر فكرة أن “الإسلام دين الدولة”، إلاّ مع صدور دستور 1923، إذ نصّ على ذلك في المادّة 149 منه، ثم تبنّت الدساتير اللاحقة هذا النص. فقد ورد في المادة 138 من دستور 1930، والمادة الثالثة من دستور 1956، وإن كان قد جرى إغفاله في دستور الجمهورية العربية المتحدة المؤقّت لعام 1958 وكذا في الإعلان الدستوري الصادر في أيلول/ سبتمبر 1962، إلا أنّ النصّ عينه عاد مرة ثانية في المادة الخامسة من دستور سنة 1964. وخَطا دستور 1971 خطوات أبعد في الربط بين القانون والدين، لأنّ الرئيس السادات كان يبحث عن شرعيّة جديدة تميّز نظامه عن نظام ثورة تموز/ يوليو 1952. وعدِّلت هذه المادة سنة 1980 لتصبح الشّريعة الإسلامية بمقتضاها هي “المصدر الرئيس للتشريع” بدلاً من كونها مصدرا رئيسا دون أداة التعريف في دستور 1971. بعد ذلك أدْلى السادات بتصريحه الشهير “رئيس مسلم لدولة مسلمة”، ما أعطى انطباعاً أنّ الأقباط قد صاروا مواطنين من الدرجة الثانية[32].

وكان من تداعيات حادثة تفجير “كنيسة القدّيسين” في بداية العام 2011، أن كثيراً من الآراء داخل مصر وخارجها انتقدت الحكومة المصرية، ورأت أنها هي المسؤول الأول عن مثل هذه الحوادث، وأن ضعف الدولة وفشلها المدني والقانوني هو ما أدّى إلى حالة الاحتقان الطائفي والاختراقات الأمنية. يأتي هذا الموقف نتيجة قناعة واسعة بأنّ حالة الاحتقان “الملموسة” في وسط الشعب المصري هي حالة عامة لا تخصّ الأقباط وحدهم. وفشل الحكومة في إدارة البلد يخلق عددا من الارتدادات السلبية من ضمنها ما يكون على المستوى الديني والاجتماعي. وما ازدياد الاستقطاب الطائفي في البلد إلاّ أحد هذه الارتدادات. لا يمكننا القول إنّ تصاعد المواجهات الطائفية يحدث بسبب الدولة وحدها، لكن التأثير الرئيس للدولة يتمثل بطريقة غير مباشرة في فشلها في تأسيس مبدأ المواطنة والانتماء المواطني. إنّ فشلها في تحقيق مبدأ المواطنة، وعجزها عن أداء دورها فيه، هو الذي يجعلها تقف “متفرّجة” حين يلجأ الأفراد إلى كيانات أخرى تعيد تشكيل مبادئهم وفق إطار ذهني جمعي قد يضيق في أحيان كثيرة عن احتواء مبدأ المواطنة. مثال ذلك يتجلّى في الكنيسة القبطية في مصر، أو في الكيان السّلفي، أو حتى حركة الإخوان التي لم يصدر عنها توضيحات أكيدة حول موقفها من مبدأ المواطنية، ونظرتها لمسألة المساواة بين الجميع في وطنهم بغضّ النظر عن اختلافهم الدّيني والعقائدي. ولدينا أسباب للاعتقاد أنّ المجال بعد الثورة مفتوح لكي يطوّر الإخوان الفكر الذي تمّ نشره في سلسلة “بيان للناس” في تسعينات القرن الماضي إلى فكر مواطني حقيقي، سواء كانت المواطنة هنا تمسّ المرأة أو غير المسلمين أو العلمانيين أو غيرهم. إن استكمال فكرة المواطنة المدنيّة والسياسية والاجتماعية المتساوية هي التي سوف تطرح نفسها بعد الثّورة شرطا تاريخيا لكي يشارك الإخوان في عملية حكم مصر في المستقبل.

ويدور جدل في البلدان العربية حول إمكانية المواءمة في التطبيق بين مبادئ الشريعة الإسلامية ومبادئ المواطنة الحديثة. وقد قيل الكثير في هذا، وكُتبت مئات الكتب وعقُدت مئات المؤتمرات حول الموضوع. ولن نزيد هنا فيه مثقال ذرة، ولكننا في هذا الإطار وفي سياق الحديث عن علاقة المسلمين بالأقباط، نُورد مساهمة من طارق البشري يشير فيها إلى أنّ الفقه الإسلامي لديه من الأدوات والوسائل ما يمكنه من تحريك الأمور استجابةً للواقع المعيش. وأن لدى مفكري التيّار الإسلامي الرغبة والعزم على الخوض في هذا الطريق[33]. وعبر اجتهادات لمفكّرين مسلمين يوردها البشري في كتابه (المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية) يُبرز اهتماماً بالفعل بالنسبة إلى أمر تعاملات المسلمين وغير المسلمين ومساواتهم أمام القانون، ولكن يبقى لديهم التحفظ على وصول غير المسلم إلى بعض الوظائف العليا والحساسة في المجتمع، وهذا يدلّ على عدم اكتمال مفهوم المواطنة لديهم، كحجر أساس في العلاقة بين الفرد والدّولة. كما تبرز مشكلة أخرى متعلّقة بالتعامل مع غير المسلم كـ”آخر” في الدولة ذات الأغلبية من المسلمين وكأنّها دولة إسلامية، وأنّ التعامل مع غير المسلمين يحكمه في أفضل الحالات “التسامح” (والتعاليم الإسلاميّة السّمحة)، وليس الحقوق المتساوية.

والمشكلة أنّ رفض قوْننة عدم جواز انعقاد الولاية لغير المسلم في حدّ ذاته، ونقده بالردّ على بعض مخاوف الإسلاميّين، يتم بحجج لا تنطلق من المساواة. فبعض نقّاد مَنْع غير المسلم من تولّي الرئاسة يعللون نقدهم بالقول إنّ الغالبية المسلمة في البلد لا يمكن أن تصوّت لغير مسلم رئيسا، وهذا ما ذهب إليه البشري في كتابه. وهذا في حدّ ذاته يدلّل أيضاً على عدم فهم للديمقراطية وأسس المواطنة الصحيحة، وينشر في ثقافة الناس السياسية مواقف طائفية في سبيل إبطال الحاجة إلى قانون طائفي.

ولكن نلاحظ في مواقف جديدة لبعض المفكرين الإسلاميين، أن هذه نقاط قد تم تجاوزها على مستوى الاجتهاد الفكري الإسلامي. فيقول المفكر الإسلامي راشد الغنوشي حول ولاية غير المسلم رئاسة الدولة “وعلى افتراض توفّر شخصية قبطية على مكانة شعبية واسعة وإشعاع وطني جارف، تأهل بهما للتطلع لهذا الموقع وفاز به في انتخابات نزيهة فلن تكون كارثة وطنية ولا معصية دينية… فقد عرفت مصر زعماء أقباطا على قدر عالٍ من الوطنية والقبول الشعبي مثل مكرم عبيد، وكان بعضهم مستشارا ومقرّبا من حسن البنا. كما عرفت سوريا رئيسا لوزرائها مسيحيا هو فارس الخوري، كان أداؤه جيدا وعلاقاته بالإسلام والإسلاميين ممتازة، فلم يخرب البلد، بل خلّف وراءه ذكرياتٍ طيبة، ليت كلّ الذين جاؤوا بعده من الانقلابيين المسلمين ساروا سيرته”[34]. ومادام الاجتهاد في هذا الأمر ممكنا عند الغنوشي، فهو أيضاً ممكن عند فكر الإخوان المسلمين في مصر، خاصة على ضوء الحالة المدنية والوطنية المستجدّة بعد التغير الثوري الذي حدث في مصر، ممّا يتطلب منهم اليوم تأسيساً وطنياً ومدنياً على مبادئ نظرية واضحة وتلزم الجميع.

وحدوث حالة تحوّل تاريخي في مصر بعد الثورة، يمثّل فرصة تاريخية للإخوان وغيرهم للمراجعة والتنظير وتوضيح مبادئهم في مثل هذه المسائل المدنية، فقد انتفى وجود السلطة الديكتاتورية السابقة التي كانت تدفع وتضغط على الجميع في اتّجاهات صراع وتناحر. ويذكر عضو الإخوان عبدالمنعم أبو الفتوح أنّ الإخوان المسلمين بعد الثورة يختلفون عن إخوان قبل الثورة، فهم الآن أصبحوا يعملون في العلن أمام الجميع وبكلّ شفافية ووضوح بعد ذهاب النظام السابق، كما يعلق قائلاً: “والآن ذهبت المحظورية ويجب أن تؤسّس الجماعة نفسها بشكل قانوني وشفّاف وتمارس عملها الدعوي والمالي والإداري بكلّ شفافية ووضوح”[35]. كما تنتشر اليوم قناعات واسعة بتحقّق دور قريب لهم مع التحوّل المدني الديمقراطي في مصر، وقد تناقلت وسائل الإعلام بعد الثورة المصرية تصريحات لقادة غربيّين مثل أوباما وساركوزي ألمحت إلى دور محتمل للإخوان في المشهد السياسي[36].

ويمثّل أمر التحول وإعادة التشكيل السياسي بعد الثورة فرصة للأقباط أيضاً لمراجعة موقفهم من الإخوان ومن تلك التحفظات التي تضعها الكنيسة في أمر المشاركة السياسية، فهي قد تنتفي كلها في إطار ديمقراطي مناسب. وعلى سبيل المثال، فقد تعرض الإسلاميون للقمع والملاحقة في مرحلة عبدالناصر ومع ذلك لم تتوفر للأقباط أية مشاركة سياسية معتبرة، وكما يعلّق طارق البشري فإن “ضرب التيار الإسلامي ليس مصدر أمن للأقلية الدينية غير المسلمة، إنما مصدر الأمن يتعلق بنظام الحكم، أي بالديمقراطية وبإقرار مبادئ المساواة والمشاركة”[37].

لقد فُقدت المساواة مع فقدان الديمقراطية أيضاً، كما أن انشغال جهاز الدولة في مصر بضمان مصالح نخبه الاقتصادية والسياسية والتبعية لمصالح قوى خارجية؛ وتفاعل هذا كله مع قضية التوريث، قد تناقض مع أمر القيام بمسؤوليات الدولة تجاه تحقيق مفهوم المواطنة، كما تناقض مع أمر السعي لتحقيق إصلاحات حقيقية على مستوى الوطن. وهذا ما ولّد سخطاً شعبياً عاماً ومن جميع التيارات على الجهاز الحكومي المصري.

لم يقتصر فشل جهاز الدولة على المستويين السياسي والاجتماعي، فالمناخ الثقافي الذي شجّعه وأشاعه النظام هو أقرب إلى الفساد في كلّ أبعاده.

وكما بيّنا أعلاه، ينتشر في أوساط مصريّة غير طائفية، ومنها ديمقراطية ويساريّة وقومية وإسلامية، موقفٌ نقدي لا يكتفي بنقد المسؤولين على التّحريض الطائفي ضدّ الأقباط ولا يعفي الكنيسة من المسؤوليّة، إذ ينتقدها على تصاعد دورها السّياسي وعزلها للأقباط عن الشّأن المصري العام. ويرى بعض الكتّاب المؤيّدين لمساواة الأقباط أنه وقّع في الآونة الأخيرة اقتراناً بين مصلحة نخبة الكنيسة ونخبة الرئاسة في مصر، ممّا أدّى إلى وجود “حالة التباس مرتبكة.. يكون الأقباط المسيحيّون ضحيّتها الأولى”[38]. كما ينتشر موقف نقدي تجاه استفزازات المتطرّفين، مثل “أقباط المهجر” الذين يتحدّثون عن الانفصال، ومثل بعض رجال الدين من أمثال الأنبا المتطرّف بيشوي الذي وصف المسلمين بأنهم ضيوف على مصر، كما ذكرنا أعلاه.

رابعا: الإطار القانوني ومسائل الأحوال الشخصية

الوضع القانوني للأقباط

أصبح المسيحيون العرب ابتداءً من عام 1516 جزءاً من رعايا الدولة العثمانية التي عاملتهم وفقاً لنظام الملّة، المستنبطة قواعده من أحكام الشّريعة الإسلامية. إذ تألّفت الرعيّة من فئتين هما المسلمون وغير المسلمين. اعتبرت الفئة الثانية، ولاسيّما “المسيحيّين” من أهل الذمّة. وهم الذين يتعهّدهم السلطان بالحماية، بالمحافظة على حياتهم وحرياتهم الدينية وغير الدينية وأموالهم وإعفائهم من الخدمة العسكرية مقابل دفع الجزية[39]. وحافظت الجماعات الدينية في نظام الملل التقليدي على استقلال نسبي في إدارة شؤونها الذاتية، أمّا في الدولة المركزية الحديثة- دولة المواطنة- فكان من المفترض أن يصبح المواطنون أفراداً متساوين أمام القانون وفي المجال الاجتماعي – السياسي، وأن تعلو الهوية الوطنية على الهوية الدينية أو الطائفية.

ورغم أنّ نظام الملل تضمّن في بعض الحالات قيوداً نسبية على نشاطات الجماعات الدينية غير الإسلامية، إلاّ أنه في النهاية حافظ على وجود هذه الجماعات عبْر حقوق جماعية، كما حافظ في الوقت ذاته على سلّم التراتبية الاجتماعية عموماً.

ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأ التخلّي التدريجي عن نظام الملل وترسّباته. ولكن عوامل عدة ساهمت في تعثّر نضج دولة المواطنة الحديثة وحلولها محلّ نظام الملل التقليدي في الوقت الذي نما وعْي المواطنة وحقوقها نتيجة لعملية التحديث. ومع ذلك بقي الضمان الأكيد هو الهوية المصرية المشتركة وتداخل المسلمين والأقباط في نسيج اجتماعي واحد في الريف والمدينة على حد سواء.

وعند كل تدهور في العلاقات أو تصويرها علاقات بين جماعتين لا علاقات بين مواطنين، كانت الكنيسة تحكم قبضتها على الرعية كملجأ طقسي وأيضا كممثل تجاه الدولة والجماعات الأخرى. وتراجعت المشاركة القبطية في الحياة السياسية. وبدا أحيانا وكأن الهوية القبطية تتقدم على الهوية الوطنية المصرية. وبكلمات أخرى، كان من مصلحة الكنيسة إعادة الأقباط إلى التصرف باعتبارهم ملة مستقلة ذاتياً، تقودهم الكنيسة، بينما هي تطالب الدولة بتطبيق حقوق المواطنة في الوقت ذاته.

بذلك تواطأت الكنيسة، عن قصد وعن غير قصد، مع قوى أخرى قائمة في الدولة وفي بعض التيارات الإسلامية لمنع نشوء ثقافة وممارسة مواطنية مصرية.

وقد أثبتت مجريات الثورة المصرية ومدى ارتباط طموحات المصريين، أقباطا ومسلمين، بالثورة وتغيير النظام كوسيلة لتغيير أوضاعهم السياسية والاجتماعية، مدى اصطناع حالة الانفصال هذه.

مسائل الأحوال الشخصية للأقباط

يعتبر المبدأ العام في قانون الأحوال الشخصية المصري أن المصريين يخضعون في تنظيم أحوالهم الشخصية لشرائعهم الدينية. وتتعدد الشرائع الدينية المنظمة للأحوال الشخصية في مصر بتعدد الديانات والمذاهب والطوائف، فالأحوال الشخصية للمسلمين تنظمها مختلف التشريعات الصادرة في هذا الشأن. والمسيحيون تطبق شرائعهم على تعدد مذاهبهم ومللهم وطوائفهم بشكل عام على أرض الواقع[40].

وقد نصّت المادة السادسة من قانون إلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملّية 462 لسنة 1955 -الذي ما زال ساري المفعول حتى يومنا هذا- على جعل الشريعة الإسلامية واجبة التطبيق على غير المسلمين في منازعات أحوالهم الشخصية في حالة اختلاف الطائفة أو الملّة بين الزوجين.

ومن الطبيعي أن ينظر الأقباط إلى هذا النص على أنه يمثل تمييزاً بين المسلمين وغيرهم لأنه يقضي بتطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين. ووفقاً لأحكام الشريعة كما هي مطبّقة في مصر، يتعين على الذكور غير المسلمين اعتناق الإسلام كي يستطيعوا الاقتران بنساء مسلمات، ولكن لا يشترط اعتناق النساء غير المسلمات الإسلام كي يتزوّجن مسلمين، كما يحظر على النساء المسلمات الزواج من رجال مسيحيين.

ووفقاً لأحكام الشريعة، كما تفسّرها الحكومة، يجب أن تطلّق الزوجة غير المسلمة التي تعتنق الإسلام من زوجها غير المسلم. وفي بعض الحالات بتحول الزوجة إلى الإسلام، تتولّى سلطات الأمن المحلية سؤال الزوج غير المسلم عمّا إذا كان راغباً في التحول إلى الإسلام، فإذا اختار عدم التحول، تبدأ إجراءات الطلاق، وتعطى حضانة الأطفال للأم.

وفي قوانين الميراث، لا تتمتع الأرامل المسيحيات لأزواج مسلمين بأي حق في الميراث بشكل تلقائي، وإن كان من الممكن منحهن قسماً من التركة من خلال الوثائق الوصائية. وبموجب الشريعة، يفقد المتحولون عن الإسلام جميع حقوق الميراث، ونظراً لأن الحكومة لا توفر أية إجراءات قانونية للمتحولين من الإسلام إلى المسيحية لتعديل سجلاّتهم المدنية لكي تعكس وضعهم الديني الجديد، فقد لا تتم الإشارة إلى فقدان حقوق الميراث في الوثائق المدنية[41].

والجدير بالملاحظة، أنه لا توجد حتى الآن تقنينات رسمية للأحوال الشخصية لغير المسلمين، بل ما زال الأمر متروكاً للتقنينات غير الرسمية ولتعليمات الآباء الكنسيين وقراراتهم. هذا الوضع الخاص بتعدد مصادر القاعدة القانونية وعدم ثبوتها في مسائل الأحوال الشخصية عند غير المسلمين، وإلى حد ما عند المسلمين، في غياب نص تشريعي، يترك آثارا سلبية على علاقات الأحوال الشخصية في مصر. ومن الأمثلة على ذلك الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا في مصر بتطليق أحد المفكرين البارزين (وهو المرحوم نصر حامد أبو زيد) من زوجته، وكلاهما مسلم، بناءً على طلب حسبة مستند إلى أرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة. وليس خافياً ذلك العنت الذي يلاقيه بعض الأزواج المسيحيين لأن القانون الكنسي، إذا صحّ التعبير، يمنع الطلاق، ويرفض إيقاعه حتى بين زوجين توقفت أية علاقة بينهما، بل استحالت[42].

وتُشكّل المطالبة بإقرار قانون خاص، ذي طابع ديني، للأحوال الشخصية القبطية إحدى الإشكاليات الكبرى في العلاقة بين الدولة والكنيسة، نظراً لقوانين الكنيسة الصارمة في مجال الأحوال الشخصية، التي تجد معارضة حتّى في أوساط من المواطنين المصريين الأقباط.

خامسا: أصداء تفجير الإسكندرية (كانون الثاني/ يناير 2011)

في وقت متأخّر من ليلة رأس السنة الميلادية 2011، تعرّضت كنيسة قبطية في الإسكندرية إلى تفجير دامٍ، أوْدى بحياة ما يزيد عن العشرين شخصاً. ويصف فهمي هويدي هذه الواقعة بالفاجعة، وبأنّها حدثٌ استثنائي في مصر، وبأنها أبعد أثراً من كلّ الأحداث والهجمات الدموية السابقة، لأنّها قادرة على إشعال حريق في الوطن، كما جاء في مقالته (أسئلة الفاجعة).[43]

بعد حادثة التّفجير ضدّ كنيسة القديسين في الإسكندرية، كان النقد الأقوى تجاه الدولة موجّهاً من الأقباط. فالاحتقان المتنامي لدى الأقباط في البلد، كان قد تصاعد عبر السنوات، ووصل إلى ذروته مع هذه الجريمة الإرهابية. يتّضح ذلك من المظاهرات القبطية الحانقة التي ندّدت بالدولة في الأيّام اللاحقة للحادثة. وفي أجواء الاحتجاج عقد محامي الكنيسة القبطية مؤتمراً صحافياً دعا فيه الحكومة المصرية إلى إقرار القوانين المتعلّقة بالأحوال الشخصية للأقباط وحرّية بناء دور العبادة. كان الوضع في مصر عموماً محتقنا مسبقاً، وذلك نتيجة لسوء الأوضاع المختلفة في البلد على المستويات الاقتصاديّة والسّياسية وغيرها، لكن اللافت أنّ جريمة التفجير جعلت حالة الاحتقان تنفجر ضدّ النظام، ولم يتوجّه الغضب إلى “طائفة الأكثرية”، بل إلى الحكومة نفسها، خاصّة أنّ هذه الأخيرة كانت قادرة -لو أرادت- على تقديم إصلاحات ونهج مدني مساواتي يفيد الجميع. كما لوحظ تفهّم اجتماعي واسع من كافة الفئات لغضب الأقباط. وربّما كانت هذه سخرية التاريخ أو خداعه. فبدلا من إشغال المجتمع بفتنة طائفية بوساطة هذا الفعل، ازداد تعاطف المسلمين مع الأقباط، وتصاعدت النقمة ضدّ النظام الحاكم من الجميع، مسلمين وأقباطاً.

ويمكننا الآن بأثر رجعي أن نفهم سلوك المجتمع ونقمته على الأوضاع وعلى الحكومة كونه حضوراً للحالة الثورية منذ تلك الفترة.

ولقد تبيّن لاحقا، أثناء الثورة، أنّ هنالك أساسا جدّيا للاعتقاد بأنّ هذا الهجوم الذي ألصقت مسؤوليّته بشكل مفبرك بأصوليّين فلسطينيين من غزّة، كان في الواقع من تدبير وزارة الداخلية ومباحث أمن الدولة للتغطية على عمليات التّزوير في الانتخابات بإشعال فتنة طائفية يتم فيها اتّهام من يعتبرهم النظام المصري خصوما سياسيّين. وحين تقدّم المحامي المصري ممدوح رمزي ببلاغ للنائب العام يتّهم فيه حبيب العادلي وزير الداخلية المصري الأسبق بأنه يقف خلف حادثة تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية مطلع العام 2011[44]، بدا كأنّ مصر تعيش عهدا آخرَ أو أصبحت في عالم آخر مقارنة بالأجواء التي سادت بعد التفجير، حين لم يجرؤْ أحدٌ على التفكير في هذا الاحتمال.

وإذا صحّ هذا التقدير المبني على اعترافات ووثائق، كما يبدو، يكون النظام المصري قد دبّر مؤامرة رهيبة وجريمة بشعة ضدّ مجتمعه ذاته لتفتيته طائفيا، تضمّنت أعمال تفجير إرهابية ضدّ المدنيين.

لقد وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” الحدث في حينه بأنه الهجوم الأسوأ على “الأقلية المسيحية في مصر”[45]. وركّزت وسائل إعلام غربية على ما أسمته خطر التشدد الإسلامي. فتحدثت “الواشنطن بوست” عن شكوك حول دور للقاعدة في العملية، وأن ذلك إن حدث فهو يعتبر تطورا خطيراً بالنسبة إلى مصر. و”لوس أنجلس تايمز” تنقل حديثاً يقول إنّ تصاعد المدّ الديني في مصر، أدّى إلى وجود جماعات متطرّفة قادرة على تنفيذ مثل هذه الأعمال[46]. لقد أحيت هذه الحادثة خطاباً غربياً متنامياً عن خطر يتعرض له المسيحيون في الشرق، فذكرت “كريستيان مونيتور” في افتتاحيتها ليوم 04/01/2011 أنّ الأخطار التي يتعرض لها المسيحيون في الشرق الأوسط هي في ازدياد، بينما تربط “واشنطن تايمز” بين كافة أعمال العنف التي تعرّض لها مسيحيون في مجتمعات إسلامية أو مختلطة في آسيا وأفريقيا، وتنتقد الإدارة الأميركية على عدم شجاعتها في مواجهة الخطر الإسلامي الذي يهدّد المسيحيين كما تبيّن من حوادث نيجيرياو العراقو باكستان ومصر. وترى أنّ رؤية أوباما “المثالية” تمنعه من ملاحظة “توسّع الإرهاب” في العالم[47].

في محاولة منها لتدارك تبعات الحادثة، ألقت الحكومة المصرية باللائمة على أطراف خارجية تستهدف أمن مصر، بحسب تصريح الرئيس المصري حسني مبارك. وقد اتّهم حبيب العادلي وزير الداخلية المصري تنظيم “جيش الإسلام الفلسطيني” بأنه يقف وراء حادث التفجير، وذلك عبر تصريحات له بثّها التلفزيون المصري بتاريخ الأحد 23/01/2011. وقد أكّدت وزارة الداخلية المصريّة أنّ التنظيم قد استعان بشابّ مصري من أجل تنفيذ التفجير. وقد نفى أبو محمد المقدسي، القيادي في جيش الإسلام، أيّ ضلوع للتنظيم في هذه العملية. وكان واضحا أنه من المستبعد أن يقْدم تنظيم جيش الإسلام على تفجير كنيسة “القديسين” في الإسكندرية، فهو بذلك سيعرّض غزّة لمزيد من الحصار والتضييق، وربما يبرّر بشكل مفضوح حربا إسرائيلية أخرى على غزّة بدعوى مهاجمة التنظيمات المتشدّدة.

بدوره ناشد البابا شنودة الثّالث الحكومة المصرية أن تعمل على معالجة ما أسماه “معاناة المسيحيّين المصريّين” والقضاء على أسباب تنامي الصّراع الطائفي في مصر[48]. وذكرت العديد من وكالات الأنباء أن مستشار البابا شنودة، ورئيس المركز المصري لحقوق الإنسان، نجيب جبرائيل، كان قد اتهم كبار الدّعاة والعلماء المسلمين بأنهم المسؤولون عن هذا التدهور الطائفي، بسبب شحن نفوس المواطنين بإشاعات تخزين أسلحة وذخائر في الكنائس، وأنها قد جُلبت من إسرائيل. وقد ذكر في هذا السّياق مقابلة تلفزيونية حادّة الطابع، إلى درجة التحريض، أجراها أحمد منصور على قناة الجزيرة مع المفكّر الإسلامي والباحث المصري محمد سليم العوا. ودارت المقابلة حول اتهامات موجّهة للأقباط في مصر، مثل التبشير بين المسلمين، وتخزين السّلاح في الكنيسة[49]. وبعد هذه المقابلة تزايد الغضب في الأوساط القبطية تجاه ما اعتُبر تحريضا موجّها من المذيع والضّيف ضدّ الأقباط. وكان العوا قد قدّم أيضاً حلقات عبر قناة الجزيرة عن الفتح الإسلامي لمصر. وقد علّق متابعون أنّ هذه الحلقات إنما أتت حلقة في سلسلة الاستقطاب الطائفي الذي تشهده مصر، وأنها قد أتت ردّة فعل على تصريحات الأنبا بيشوي ضدّ المسلمين التي قال فيها إنّ مصر ملكٌ للأقباط وأنّ المسلمين ضيوفٌ عليهم.

وكان المفكر الإسلامي محمد سليم العوا قد دافع عن نفسه ضدّ الاتهامات التي راجت ضدّه بسبب عرض حلقات عبر قناة الجزيرة عن الفتح الإسلامي لمصر في ذلك التوقيت؛ خاصّة وأنها أتت سجاليّة الطابع، وتأخذ شكل ارتباط مباشر بالوضع الراهن للاستقطاب الطائفي في مصر، ممّا جعلها عامل تأجيج للكراهية والاحتقان الطائفي في البلد. وقد قال العوا، المعروف عادةً برصانته، في محاضرة له في جمعية مصر للثقافة والعلوم في مسجد رابعة العدوية في القاهرة، إنه يستنكر التفجير الإجرامي، وإن اتهامه هو “كلام سخيف ومرفوض عقلاً”. كما أدان تفجير الإسكندرية مفتي الأزهر أحمد الطيب، والدكتور محمد بديع المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، وغيرهم من علماء المسلمين.

واستنكرت جماعة الإخوان المسلمين الحادث، وذلك في بيان لها صدر بعد الحادث، أعلنت فيه أن الإخوان يرفضون كل أشكال العنف وتهديد الآمنين من المسيحيين والمسلمين وترويعهم. ونستطيع أن نستشفّ موقف حركة الإخوان المسلمين من أبرز الأفكار التي حملها لقاء د.رشاد بيومي، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، والمنشور في الموقع الرسمي للإخوان بتاريخ 12/01/2011. وقد تراوحت تلك الأفكار بين لوْم أميركا والصهاينة على اعتبار أنهم هم أكبر مستفيد من هذه التفجيرات، إلى لوم الفاتيكان على تدخله، والرفض القاطع لأيّ تدخّل أجنبي في مصر، بالإضافة إلى تمسّكهم بالمرجعية الإسلامية لمصر. وهذا الخلط بين الفاعل والمستفيد هنا، هو آلية تلجأ إليها قوى لا شك أنها تعارض مثل هذه الأعمال، ولكنها لا ترغب في خوض مواجهة حقيقيّة وصارمة مع الثقافة والسياسة التي تؤدّي إلى ارتكابها، ولا مع النظام السياسي الذي تجري في ظلّه، وتظلّ متمسّكة بنفس المواقف التي تجعل جزءًا كبيرا من المواطنين غير المسلمين يشعرون بمواطنة ناقصة وبغربة عن الوطن. فالاكتفاء بالإدانة من دون نقض الثقافة التي تؤدي إلى مثل هذه الأعمال، ومن دون تأكيد واضح على أنّ الوطن للجميع، وعلى أنّ الدولة تمثّل المرجعية لجميع مواطنيها، هو موقف يتضمّن تمييزا ضدّ مواطنين، رغم أنّ إدانة التفجير قد تكون إدانة صادقة.

وأطلقت ردود فعل غاضبة في مصر والعالم العربي والإسلامي نتيجة تصريح لبابا الفاتيكان وللرئيس الفرنسي ساركوزي حول الخطر الذي يتعرّض له المسيحيون في الشرق. فقد قال ساركوزي، في كلمة له بمناسبة العام الجديد خلال حفل أُقيم في قصر الإليزيه في يوم الجمعة 07/01/2011، إن بلاده قلقة ممّا أسماه “العنف الأعمى”، وقال: “لا يمكن أن نقبل ومن ثم أن نسهِّل ما يزداد شبها أكثر فأكثر بمخطّط تطهير إجرامي في الشرق الأوسط. وأكرّر مخطط تصفية دينية في العراق كما هو الحال في مصر. مسيحيو الشرق الأوسط هم في أوطانهم. إنهم هناك في بلدانهم وأغلبهم منذ ألفيْ عام. لا يمكننا القبول بأن يختفي هذا التنوّع البشري والثقافي والديني من هذه المنطقة من العالم”[50].

وكان بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر قد طالب قادة العالم بحماية الأقليات المسيحية في الشرق. فقد دعا زعيم الكنيسة الكاثوليكية، في لقائه السنوي التقليدي مع سفراء وممثلي دول العالم المعتمدين لدى الفاتيكان بمناسبة العام الجديد، حكومات الشرق الأوسط وقياداته الإسلامية إلى “العمل من أجل أن يحيا مواطنوهم المسيحيون في أمان”. وأعلن البابا، في حديثه الذي أثار غضب جهات متعددة من العالم العربي والإسلامي باعتباره تعدياً على الشأن الخاص بتلك الدول، أن تتابع الهجمات يمثل دلالة واضحة على الحاجة الملحة لاتّخاذ تدابير فعالة[51].

وفي خطوة مسرحية، وغضب مصطنع ( نقول ذلك خاصة بعد أن كُشفت علاقة النظام الحاكم في مصر بالتفجيرات)، استدعت مصر سفيرتها لدى الفاتيكان رداً على ما اعتبرته تدخّلاً غير مقبول في شأنها الداخلي. وقد جمّد الأزهر بدوره الحوار مع الفاتيكان لأنها لم تقدّم إيضاحات حول تصريحات البابا الأخيرة، والتي تحتمل – على ما يبدو- أكثرَ من وجه. فقد طالب البابا بتوفير الحماية للأقباط في مصر من دون تحديد الجهة. وهذا يعني أنه من الممكن أن تفسّرها مصر بما لا يتعارض مع سيادتها باعتبارها دولة، أي أنه على الدولة والقانون في مصر تولِّي مثل هذه الحماية. وقد أكّد رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان بطرس غالي أنّ تعليقات قادة الاتّحاد الأوروبي بشأن حماية الأقليّات لا تُعتبر تعدّياً على الشأن الداخلي المصري، بل إنّ تعليقها يأتي في “سياق ظاهرة العولمة ووجود تيّار جديد للتعليق على قضايا حقوق الإنسان بين الدول”. ووافقه الرّأي الكاتب المصري إميل أمين، فقد رأى أنّ تعليقات البابا لا تعني دعوة للتدخّل الخارجي، وأنه ليس من مصلحة الدول العربيّة والإسلاميّة أن تضطرب علاقاتها مع “قوّة روحيّة ودبلوماسية تمتدّ حول العالم” مثل الفاتيكان، فهو اضطراب يصبّ في مصلحة “آخرين معروفين رابضين خلف الباب لأيّ تقارب إسلامي-مسيحي في أوقاتنا الحاضرة”[52].

والحقيقة أنه لا يمكن فصل حرص الغرب على حماية الأقلّيات في الشّرق عن آليات التدخّل الاستعماري في المنطقة العربية. وطبعا لم يخْل الأمر من تحريض سافر ومباشر، لا يمكن تفسيره إلاّ كموقف يرى أنّ الصّراع إسلامي مسيحي. فالمدير العام للجمعية الفرنسيّة لضحايا الإرهاب غيوم دوسان مارك ذكر أنّ هذه التصريحات الغربية ينبغي أن توضع في سياقها، وأنه يجب التّركيز على توسّع الإرهاب في المنطقة، فالإرهابيّون يعتقدون أنهم يؤثّرون في الغربيّين حين يهاجمون المسيحيّين، ويعلن أسفه أنه لا يجد المجتمع يتصرّف حيال ذلك.[53] وهو يقصد أن يقول -كما يبدو- إنّ الهجوم على المسيحيّين في الشّرق هو امتداد لنفس الصّراع مع الغرب. والحقيقة أنّ مثل هذه التصريحات المندرجة في نفس العقلية التي استخدمتها الدول الاستعمارية عند ادّعائها بسْط الحماية على المسيحيّين في الشرق في صراعها على مناطق نفوذ داخل الدولة العثمانية، هي التي تخلق هذا الواقع وتعيد إنتاجه. وتبيّن لاحقا وجود شكوك جدّية في أنّ نظاما سياسيا متخلّفَ الأساليب وصديقا للغرب يتحمّل المسؤوليّة عن هذه التفجيرات.

وتبرز من حين إلى آخر دعاوى في الغرب، كشفت عن ذاتها مؤخّرا بجرأة أكبر، تشير إلى ضرورة التدخّل الغربي من أجل ما يُدعى بـ “حماية المسيحيّين في الشّرق”. ويبدو كأنّ المنطقة العربية تعيش، بأكثر من معنى، الحالة التي عاشتها الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر. هذا الإلحاح الغربي لفرض التقسيم الطائفي والمذهبي في الدول العربية ناجمٌ عن اعتباره “النقيض الموضوعي والطبيعي لأيديولوجية التكامل القومي العربي”[54]. ولكن هذا لا يكفي، إذ يجب رؤية الجذور والمبرّرات في الوضع السياسي والمجتمعي الداخلي الذي يفسح المجال لمثل هذا الإلحاح. ومن هنا يرى جمال أسعد عبد الملاك أنّ الرّدّ الأفضل هو في النظر إلى مشكلة الأقباط على اعتبار أنها من المشاكل التي يلزم حلّها على أرض وطنية مصرية كي لا يكون هناك ثغرة للتدخّل الأجنبي[55]. ولكن هذا يتطلّب رؤية المشكلة وليس إنكارها أو اعتبارها افتراءً خارجياً.

وقد انتقدت اتّجاهات أخرى من معلّقين الوضع المدني والثقافي العام في مصر، فبطرس بطرس غالي يرى أنّ الحادثة إنما وقعت بسبب خلل في النظام التّربوي في مصر، وضعْف في احترام حقوق الإنسان في البلد[56]. بينما في مقالته (مصر: كارثة ثقافية)، ينتقد مأمون فندي التناول الثقافي والإعلامي للمسألة القبطيّة في مصر لكونه تناولا عاطفيا وسطحيا يغفل دور الدولة إضافةً إلى المجتمع المدني في حلها[57].

سادسا: السلفية في مصر وعلاقتها بالأقباط

وقد استنكرت قيادات التيار السلفي في مصر تفجير الإسكندرية الأخير. فأعلن الشيخ أبو إسحاق الحويني، على موقعه الرسمي على الانترنت، أنّ هذا الحادث “لا يجوز شرعاً”، وأن المقصد منه زرع فتنة في البلاد، كما أعلن في ذات البيان أن علماء الشريعة هم “الجهاز المناعي للأمة”. وكذلك ندّد علماء آخرون من السلفية بالعملية، مثل الشيخ السلفي محمد حسان في مقطع مصوّر له بُثّ عبر الانترنت وهو مأخوذ من قناة “الرحمة”[58].

ويشهد الفضاء الاجتماعي المصري عموماً، وفضاء “الانترنت” بشكل خاص، استقطاباً طائفياً حاداً، يشعل فتيله متطرّفون من الجانبين (المسيحي والمسلم). فيسعى هؤلاء إلى إلصاق التّهم وتعميمها على الآخرين من أتباع الدّيانة المختلفة. والأدبيات السلفية في مصر بوضعها الحالي تقدّم موادَّ دسمة لتغذية هذا الاستقطاب، وإذا ركّزنا على ما يصدر من الجانب السّلفي في هذه المسألة تحديداً، فسنجد أنّ ملاحظة هذا الاندفاع الثقافي ضدّ الأقباط في مصر من الممكن له أن يكون ملموساً عبر ملمحين: القنوات التلفزيونية الإسلامية، والفتاوى.

القنوات التلفزيونية الإسلامية:

أسّس مجموعة من الشباب المصري لحملة عبر الانترنت ضدّ قنوات التطرف. وقد كان شعار الحملة عبر موقع الفيس بوك “أوقفوا بثّها رحمة بمصر”، وقد تضمّنت صفحة هذه الحملة، التي بلغ عدد أعضائها بضعة آلاف، مجموعة مقاطع فيديو قصيرة لأحاديث وفتاوى من مشايخ سلفيّين، مثل أبي إسحاق الحويني، ووجدي غنيم، وحسين يعقوب. وقد اعتبرت هذه الفتاوى، بحسب ما يرى بعض الكتاب والسياسيّين، فتاوى متطرّفة تهدّد الحياة الاجتماعية في مصر، بحسب تحقيق نشرته صحيفة “روز اليوسف” المقرّبة من النظام المصري السابق. ويقول وحيد عبد المجيد نائب رئيس الهيئة العامة للكتاب: “للأسف الشّديد هذا التيار السلفي الذى يجسّده أباطرة مشايخ الفضائيات الدينيّة أصبح من الصّعب السّيطرة عليه الآن فهم في ذروة الانتشار التراكمي”[59]. وهناك مجموعة قنوات تمّ إغلاقها بسبب دعاوى ما يسمّى بالـتحريض الطائفي الذي مارسته. وذكرت صحيفة “اليوم السابع” أنّ محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة قد قضت بإعادة بثّ 5 قنوات، وهي “البدر والحافظ وصفا والرحمة ووصال”[60].

هنا يجدر بنا أن نلاحظ أنّ نفس الأجواء الشبابية التي استخدمت مواقع اجتماعية مثل “فيس بوك” للحضّ على الغضب بعد موت خالد سعيد تحت التعذيب، ثم للدّعوة إلى يوم الغضب يوم 25 يناير 2011، احتضنت أيضا دعوات ضدّ القنوات السّلفية وضدّ التّحريض الطّائفي بنفس الأساليب، وهي الحملات الشبابية على شبكة الانترنت.

وبعد وقْف بثّ قناته “الرّحمة” بحجّة بثّها لموادّ طائفية، أكّد الشيخ محمد حسان لموقع “العربية نت” أنّ قناته “عالجت هذه النوعيّة من القضايا بموضوعيّة وعقلانيّة هادفة بشهادة المسيحيين أنفسهم”، وأضاف قائلا: “لا أدّعي أنه لا توجد أخطاء لدى بعض القنوات، فالخطأ أمرٌ وارد، لكن هل تصحيح الخطأ يكون بتكميم الأفواه والبتر الكامل أم بالتّوجيه والنّصح والإنذار، ومن ثم يأتي قطع البث؟”.

الفتاوى:

انتشر في مصر مزاجٌ يضيق من السّلفية، وليس ذلك بالضرورة عائدا إلى مسألة التفجير أو احتمال علاقتهم به، بقدر ما هو عائد إلى الموقف المتشدّد للجماعات السلفية -على تنوّعها- من غير المسلمين، وأيضاً من المسلمين الذين ليسوا على نهجهم.

وقد قدّم رفعت سيد أحمد دراسة حديثة تحت عنوان “الوثائق الكاملة لفتاوى السلفيين ضدّ أقباط مصر”[61]، تناولت الفتاوى التي استعرضها فيها وجوب فرض الجزية على المسيحيّين، وتحريم إلقاء السّلام عليهم وتهنئتهم بأعيادهم، بالإضافة إلى عدم قتل المسلم بالكافر، وعدم جواز إتاحة الوظائف المهمة لهم. على سبيل المثال، يفتي الشيخ السلفي أبو إسحاق الحويني بوجوب فرض “الجزية” وأنّ المسيحي “يجب أن يدفعها وهو مدلدل ودانه”، كما جاء في نص كلامه في شريط (الولاء والبراء)[62]. ونلاحظ من نصّ كلامه “مدلدل ودانه” باللغة العامية المصرية عدم تقديم أيّ اعتبار اجتماعي أو وطني للمسيحي، فالبعد السّلفي يصدر عن بُعد عقدي فقط، وهذا ممّا يؤكّد وجود “بنية مغلقة” لديه لا تتيح له أن يتواءم مع الطّرح المدني والوطني المطلوب وبشدّة على مستوى الدولة القطرية الحديثة.

تميّز هذا الاستعراض الذي أعدّه رفعت سيد أحمد عن فتاوى السلفيّين بتوثيقه لهذه الفتاوى عبر شرائط التسجيل للمحاضرات، وأيضاً من كتبهم والمواقع الشخصيّة للمشايخ وتلك المحسوبة على السلفية، مثل موقع (صوت السّلف) المحسوب على المدرسة السلفية في الإسكندرية[63].

السلفية السائدة حاليا في مصر هي سلفيّة متأثّرة بسلفية الخليج، وهذا ما يفسّر عدم حدوث احتجاجات أو نزاعات مباشرة من السلفية تجاه الحكومة. والسّلفية السّائدة في الخليج تسمّى السلفية “الرسمية”، باعتبار أنها مدعومة من الحكومة كونها تركّز على البعد الاجتماعي والعقائدي وتبتعد عن التّعاطي مع الشّأن السياسي، فهي ترى أنّ الحاكم أو النظام هو “وليّ أمر” مخوّل شرعا بالحكم، ويستند هذا التيار على أدبيات واسعة من التراث السلفي. ولكن التيار السلفي الآخر (الجهادي) لا يعدم هو أيضاً تراثاً زاخماً يدعم مواقفه المتشدّدة في أمور مثل القتال واستخدام القوّة تجاه السلطة الرّسمية، والسّعي الدؤوب لإقامة مجتمع بحاكمية إسلامية، في كلّ جوانبه، وبأيّ طريقة ممكنة.

إن عدم حدوث ردود فعل من القيادات السلفية في مصر تجاه استمرار الحكومة في اضطهاد أفرادها وسجنهم وتعذيبهم ، قد يؤدّي إلى تسرّب شباب السلفية السّاخطين من مواقعهم الحالية إلى تنظيمات أخرى جهادية، كما حدث لدى سلفية الجزيرة. ونحن نجد على مواقع الانترنت شبابا ساخطين يعتبرون أنّ الدولة تتعاطى معهم بكونهم “الحيطة المايلة”، بالتّعبير الشعبي، التي تفعل بها ما تشاء. كما يسهل رصد ازدياد نبرة الغضب والاحتجاج لدى شباب السلفية، في أعقاب تفجير الإسكندرية، بعد أن اعتقلت الدولة المئات منهم، وموت الشابّ السّلفي سيّد بلال تحت تعذيب جهاز الشرطة، كما قالت أسرته.

ويتردّد كثيرا لدى المصريّين، في المجالس أو على مواقع الانترنت، أنّ السلفية دخيلة على مصر، وأنّ المجتمع المصري مجتمع متنوّع ومنفتح، وأن “المظاهر الدخيلة” مثل النقاب أو لبس الجلباب لم تكن معتادة لديهم، وأنّ تنامي مَدّ مثل هذه المظاهر يجعل المجتمع أمام حالة انقسام واغتراب عن بعضه البعض. بمعنى أن يتمّ الحكم وتقييم تديّن الرجل أو المرأة بالنظر إلى سلوكهما، أو حتّى مظهرهما الشّكلي.

إن التوسّع في توزيع الأحكام والتقييمات بين أفراد المجتمع واستسهال صنعها، كفيلٌ بخلق حالة الانقسام والتشظّي الاجتماعي، أو تكريسها على الأقلّ ولو على المستوى المعنوي فقط. فمن خلال حدّة مراقبة السلوك والمواقف تظهر التمايزات ويتباين الناس، ويبدأ إطلاق الأحكام “هذا معنا أو ضدّنا”. وكان انزعاج قطاعات كبيرة من المجتمع المصري مشهودا في المظاهرات التي أعقبت تفجير الإسكندرية. فالكثير من العبارات واللاّفتات كانت معانيها تتضمّن التّشديد على التّلاحم بين المسيحيّين والمسلمين. ويمكننا القول إنّ ردّة الفعل بالتأكيد على الإخاء لم تكن ردّة فعل على التّفجير فقط، وإنّما عبّرت عن سأم عام من المشهد الثقافي الاجتماعي، ومن الاحتقان والتّنافر في ظلّ نظام حكم لا يحظى بأيّة شعبية.

وقد تهدّد آراء رجال الدين العلاقات الاجتماعية بين المواطنين أحيانا، فالنّخب الدينية قد تكون صارمة في تطبيق أدبياتها وتعاليمها، وصارمة في تميّزها عن غيرها من النخب الدينية على مستوى العقيدة، ولذا يفسد المجتمع حين يتمّ نقل مثل هذه الممارسة إلى مستوى الحياة اليومية للأفراد، الذين يفترض أن يعيشوا علاقاتهم في مجتمع متنوّع بشكل طبيعي دون التفكير باستمرار في التميز العقدي. ويكون من الصّعب على المجتمع أن يواجه تحدّياته السّياسية أو الاقتصاديّة أو غيرها، إذا كان منشغلا بهذا النّوع من “المعارك الزائدة”، التي تؤجّج مشاكله وتعقّدها. ويقصد بالمعارك الزائدة هنا تلك التي تنتج عن الاختلافات الطائفية وتمارس تقسيم الناس، وخلق التوتّر بينهم، رغم أن اختلافهم الطائفي وحتّى الأيديولوجي هو أمر طبيعي، ولا يفترض أن يثير العداء.

يحاول رجال الدين أن يقتنصوا أيّ فرصة لإظهار التمايز الدّيني والخصوصية لهم ولأتباعهم، حتى لو لم يكن ذلك مبرّراً دينياً أو اجتماعياً. فوجود التمايز والخصوصية يعني أن يدين الأفراد بالولاء لهذه النّخبة أو تلك، فهي التي رسمت لهم طريق التمايز، وهي حارسة حدوده، وهي المسؤولة عنهم في إطاره. وعلى سبيل المثال، كثير من الخطابات السلفيّة في أوقات الأزمات تؤكّد على أهميّة اتّباع منهجها حتى يَرشُد الشّخص وقت الأزمة أو الفتنة، ومثال ذلك بيان الشيخ أبي إسحاق الحويني على إثر تفجير الإسكندرية الأخير، والذي نشره عبر موقعه الرسمي. فقد رأى البيان أنّ الحلّ هو توعية الجماهير “بالأحكام الشرعية والآداب المرعية… وفتح الباب أمام جهود العلماء الربانيّين”، فتصبح الأزمة بذلك عامل استثمار لدعم نفس المسار الموجود، من غير أن تستنتج وقفة مصارحة أو “نقد ذاتي” من قبلهم لمراجعة طريقتهم في التعاطي مع الأمور، وإن كان لها دورٌ فعلي أم لا في تأزّم الموقف.

ونجد في نفس المصادر، فتاوى كثيرة لا تعتبر بالبعد الوطني ومسألة العيش المشترك واختلاط المواطنين في البلد الواحد. منها ما قاله الشّيخ السّلفي أبو محمد بن عبدالله بن عبدالحميد الأثري: “لا يجوز أبدا أن تهنّئ الكفّار ببطاقة تهنئة أو معايدة، ولا يجوز لك أيضا أن تقبل منهم بطاقة معايدة ،بل يجب ردّها عليهم، ولا يجوز تعطيل العمل في هذا اليوم- يقصد عيدهم[64]. ويفتي الداعية السلفي محمود المصري بأنه لا يجوز بدْؤهم – يقصد غير المسلمين- بالسلام، ولا حتى القول لهم “أهلا و سهلا” لأنّ في ذلك تعظيما لهم، كما جاء في كتابه[65]. وهنا نلاحظ استخدام بعض الألفاظ الزائدة وغير المبرّرة، فما هي الحاجة إلى استخدام ألفاظ مثل “تعظيم” أو “تحقير” أو “مشابهة”؟!. فالسلام والتحية سلوك طبيعي يمارسه الناس مع بعضهم البعض، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك تعظيمٌ أو تحقيرٌ مترافقٌ معه، لكن النخب الدينية المتعصّبة تحاول دوماً إلصاق مثل هذه المعاني ولو لم تكن موجودة أصلا في تعاليم الدين أو في المجتمع الذي يتبع هذا الدين ابتداءً، فحالة الصّراع ووجود الاستقطاب يزيدان أتباع المتعصّبين بشكل تلقائي كما أشرنا.

تولد هذه الفتاوى تمايزا حادّا في المجتمع على رأي النّقاد. وترى مجلة “روز اليوسف”، المقرّبة من النظام، وعلى لسان كاتب مقرّب من أجهزته الأمنية تحديدا، أنّ السلفية تتمدّد في البلد بينما أفرادها يعيشون في عالم خاص يتمايز عن مجتمعهم، وتكمن خطورة السلفية من وجهة نظره في أنها، ورغم هدوئها الظاهري، تمارس “تثقيفا تحويليا” ينقل السلفي ليكون جهاديا[66]. بينما يعارض ذلك كتّاب آخرون، ففي مقالته (السلفيون والموقف من التصعيد أمام الدولة)[67] التي تناقلتها مواقع سلفيّة عدة، يرى الكاتب المصري علي عبدالعال أنّ السلفية، ورغم أنها تعرّضت للعنف والتهديد والسّجن من قبل الدولة، إلاّ أنها لم تمارس التّصعيد ولا المواجهة.

خلاصة:

يتّضح جليًّا وجود ملفّ قبطي مفتوح في مصر يحتاج إلى معالجة. وأيّ معالجة جدية للموضوع تبدأ بوجود النيّة لذلك، إذ لا يكفي الادّعاء. وهذه النية لم تتوفّر لدى النظام المصري السابق، وربما توفّر لديه عكسها تماما.

ولكن أيّ نظام جديد في مصر تتوفّر لديه النية لذلك يجب أن يعترف بوجود الملف. وهو مركب من قضايا ذات علاقة بهوية الدولة، والتعامل مع الأقباط كأقلية يمارس معها التسامح. هنا مكمن الخطر، فالأقباط ليسوا في حاجة إلى تسامح، وهم لا يمثّلون رأيا مختلفا يمكن التعامل معه بمقاربة تعدّدية تسامحية. إنهم مواطنون أصيلون لا يحتملون من حيث وعيهم بذاتهم أيّ نوع من التمييز. ومن هنا فإنّ المفتاح للتعامل مع هذا الملفّ هو المواطنة المتساوية.

الديمقراطية هي الإطار الملائم لمثل هذه المقاربة. ولكن عدم معالجة القضية الطائفية، بتخفيف تأثير فهم معيّن للدّين في الدولة، قد يحوّل الديمقراطية إلى إطار لتفاقم القضية بسبب القدرة غير المتاحة سابقا للتّعبير عنها. ومن هنا تلحّ ضرورة معالجة هذا الملف.

قائمة المراجع:

سيف أبو يوسف، الأقباط والقومية العربية، ط1، ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1987).
أسامة سلامة، الأقباط في مصر، ط 1، (القاهرة: دار الخيال للنشر، 2002).
جاك تاجر، أقباط ومسلمون منذ الفتح العربي إلى عام 1922، (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب، 1952).
طارق البشري، المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980).
عبد السلام إبراهيم البغدادي: الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في أفريقيا، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000).
عبد السلام بغدادي، الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في أفريقيا، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2000).
علاء الأسواني، هل نستحق الديمقراطية؟، (القاهرة: دار الشروق، 2010).
غالي شكري، “الأقباط في وطن متغير”، (القاهرة: دار الشروق، 1991).
فدوى النصيرات، المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية، ط1، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2009).
محمد السيد حسين، النزاعات الأهلية العربية العوامل الداخلية والخارجية، ط2، ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2001).
محمد سعيد العشماوي، الإسلام السياسي، ط1، (القاهرة: دار سيناء، 1987).
Adel Gunidy, “Symbolic Victim in a Socially Regressing Egypt: the Declining Situation of the Copts”. Middle East Review of International Affairs, Vol. 14, NO. 1, (March 2010).

————————–

[1] مقال عزمي بشارة، “الثورة المصرية الكبرى: آفاق ومخاطر”، موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، معهد الدوحة، شباط\فبراير، 2011.
http://www.dohainstitute.org/Home/Details?entityID=5d045bf3-2df9-46cf-90a0-d92cbb5dd3e4&resourceId=d68eee33-37f6-419f-95d6-fd59266566de
[2] أحمد فتحي، “مظاهرة بجامع عمرو للمطالبة بعودة كاميليا شحاتة”، موقع جريدة الشروق، 6/9/2010.http://www.shorouknews.com/ContentData.aspx?id=292644
[3] تصريح للمرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع، المصري اليوم، 10 آذار/ مارس 2011.
[4] حسن نافعة، “الاعتداء على كنيسة أطفيح”، المصري اليوم، 9 آذار/ مارس 2011، عدد 2460
[5] ممدوح حسن، “أطفيح: القرية التي تقف في وجه الثورة”، جريدة الشروق، العدد 767، 9 آذار/ مارس 2011.
[6] أبو سيف يوسف، الأقباط والقومية العربية، ( بيروت: مركز الدراسات العربية، 1987)، ط1، ص 15.
[7] http://www.embassyofegypt.be/index.php?option=com_content&view=article&id=23:religious-freedoms-in-egypt&catid=1:articles-fixes
[8] عبد السلام بغدادي، الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في أفريقيا، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2000)، ص 147.
[9] فدوى النصيرات، المسيحيون العرب وفكرة القومية العربية، ط1، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2009)، ص 64.
[10] جاك تاجر، أقباط ومسلمون من الفتح العربي إلى عام 1922، طبعة حديثة، (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب،2010)، ص 241 -253.
[11] سليم النجيب: “الأقباط في العهد المملوكي والجمهوري”، 24/7/2010
http://www.coptichistory.org/new_page_4313.htm
[12] سيف أبو يوسف، الأقباط والقومية العربية، ط1، ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1987)، ص 152
[13] سليم نجيب: ” أوضاع الأقباط قبل وبعد ثورة يوليو”، موقع الحوار المتمدن 28/6/2003
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=8257
[14] سيف أبو يوسف، 153
[15] غالي شكري، “الأقباط في وطن متغير”، (القاهرة: دار الشروق، 1991)، ص 61.
[16] أسامة سلامة، الأقباط في مصر، ط 1، (القاهرة: دار الخيال للنشر، 2002)، ص 217.
[17] محمد السيد حسين، النزاعات الأهلية العربية العوامل الداخلية والخارجية، ط2، ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2001)، ص 175.
[18] محمد سعيد العشماوي، الإسلام السياسي، ط1، (القاهرة: دار سيناء، 1987)، ص 179.
[19] انظر: ما هو عدد الأقباط في البرلمان المصري؟، موقع كلمة:
http://www.alkalema.net/persecuate/persecuate13.htm
[20] عبد السلام إبراهيم البغدادي: الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في أفريقيا، ط2، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000)، ص 150.
[21] محمد العجرودي، “مصر ترد على مزاعم التمييز ضد الأقباط لمدير منظمة العمل الدولية”، صحيفة الأهرام، السنة 131، العدد 44004، 30/5/2007.
[22] فكري عابدين،”القاهرة ثلث ثروة مصر بيد الأقباط”، موقع إسلام أون لاين 30-5-2007
http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout&cid=1180421166600
[23] Adel Gunidy, “Symbolic Victim in a Socially Regressing Egypt: the Declining Situation of the Copts”. Middle East Review of International Affairs, Vol. 14, NO. 1, (March 2010), p.85.
[24] عزت أندراوس، “حكومة مصر واضطهاد الأقباط في التعليم”، موقع موسوعة تاريخ أقباط مصر، 17/6/2010
http://www.coptichistory.org/new_page_985.htm
[25] دون اسم كاتب: “جدل بمصر بشأن كتاب جامع للأديان”، الجزيرة نت 18/4/2010 http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2378155A-49EC-4865-90AE-75AEAD9F0CC5.htm
[26] – دون اسم كاتب: ” مصر تعيد النظر بالمناهج التربوية الدينية في مدارسها”، صحيفة الخليج، 27 / 4 /2010
[27] الجدير بالذكر أن بناء دور العبادة الكنيسة والمساجد يخضع لعشرة شروط قانونية، ويرى بعض مراقبي الشأن القبطي (الباحث هاني لبيب مثلا) أن الشروط لا تعكس تمييزاً أو تحيزاً من الدولة ضدّ الأقباط بقدر ما هي إجراء روتيني لتنظيم عمليات بناء دور العبادة (هاني لبيب، قضايا قبطية، مجلة المعرفة) www.marefa.org
بل إن البعض قال إن التشدد واضح حيال بناء دور العبادة الإسلامية، إذ من بين شروط البناء “أن يضع المتبرع مبلغا لا يقلّ عن 50 ألف جنيه ضمانا لجدية العمل”، وهو شرط غير مطلوب عند بناء الكنائس. قد تعالت الدعوات في الفترة الأخيرة لإصدار قانون موحّد ينظم بناء دور العبادة (الكنائس والمساجد) عبر قواعد قانونية يتم تطبيقها دون أيّ استثناء.
الشروط العشرة لبناء الكنائس هي:
– هل الأرض المرغوب في بناء كنيسة عليها هي من أرض الفضاء أو الزراعة؟، وهل هي مملوكة للطالب أم لا؟، مع بحث الملكية من أنها ثابتة ثبوتا كافيا، وترفق مستندات الملكية.
– ما مقادير أبعاد النقطة المراد بناء الكنيسة عليها عن المساجد والأضرحة الموجودة في الناحية؟
– إذا كانت النقطة المذكورة من الأرض الفضاء.. فهل هي وسط أماكن المسلمين أو المسيحيين؟
– إذا كانت بين مساكن المسلمين.. ألا يوجد مانع من بنائها؟
– هل توجد للطائفة المذكورة كنيسة في هذه البلدة خلاف المطلوب بناؤها؟
– إن لم يكن فيها كنائس.. فما هو مقدار المسافة بين البلدة وبين أقرب كنيسة لهذه الطائفة في البلدة المجاورة؟
– ما هو عدد أفراد الطائفة المذكورة الموجودين في هذه البلدة؟
– إذا تبين أن المكان المراد بناء كنيسة عليه قريب من جسور النيل والترع والمنافع العامة بمصلحة الري.. فيؤخذ رأي تفتيش الري.
– وكذا إذا كان قريبا من خطوط السكة الحديد ومبانيها.. فيؤخذ رأي المصلحة المختصة.
– يعدّ محضر رسمي عن هذه التحريات، يبين ما يجاور النقطة المراد إنشاء الكنيسة عليها من المحلات السارية عليها لائحة المحلات العمومية، والمسافة بين تلك النقطة وكل محل من هذا القبيل، ويبعث به إلى الوزارة.
– يجب على الطالب أن يقدم مع طلبه رسما عمليا بمقياس واحد في الألف. ويوقع عليه الرئيس الديني العام للطائفة، و المهندس الذي له خبرة عن الموقع المراد بناء الكنيسة عليه، والجهة المنوطة بالتحريات أن تتحقق من صحتها، وأن تؤشر عليها بذلك، وتقدمها مع أوراق التحريات.
ولكن لا شكّ أنّ الثقافة المنتشرة بين الموظفين الإداريين في الدولة والتي تنتشر أيضا في أوساط الحزب الوطني تصنع تمييزا حيث لا يوجد تمييز.
[28] جرجس بشرى، “القضاء المصري يرسي مبدأً قانونيا بترميم الكنائس في مصر دون الحاجة إلى أي تصاريح من جهات الإدارة”، صحيفة الأقباط متحدون، 4-4-2010
http://copts-united.com/Arabic2011/Article.php?I=745&A=16153
[29] Adel Gunidy, ibid..
[30] علاء الأسواني، هل نستحق الديمقراطية؟، (القاهرة: دار الشروق، 2010)، ص48.
[31] المصدر نفسه، ص49.
[32] – محمد نور فرحات، “الدين والدستور في مصر”، دراسة 20/7/2010  http://www.pidegypt.org/download/Constitutional-forum/farahat.pdf
[33] طارق البشري، المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1980)، ص 703.
[34] راشد الغنوشي، “الحرية أولاً”، الجزيرة نت 21/11/2009
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2BE40DAB-B13C-4BE9-BB89-99ED05C92804.htm
[35] أبو الفتوح: أرفض تأسيس حزب للإخوان المسلمين في مصر، مقابلة مع موقع إسلام أون لاين 13/3/2011
http://www.islamonline.net/ar/IOLArticle_
C/1278407571182/1278406720653/IOLArticle_C
[36] من بوادر تغيير الموقف نشرت جريدة المصري اليوم في عدد الجريدة بتاريخ 22 مارس 2011 أن اتصالاً هاتفيا جرى بين البابا شنودة والمرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع، ذكر فيه الأخير أن الفترة الراهنة تحتاج إلى تكاتف الجميع، ونوه بعلاقته الطيبة بالأقباط، وأنه يرتبط بعلاقات طيبة مع الأساقفة في محافظة بني سويف التي تربى فيها. وقالت المصادر إن بديع طرح مبادرة للحوار مع الشباب القبطي، خاصة بعد حالة القلق والتخوف من وصول الإخوان المسلمين للحكم.
ووافقت ثلاث منظمات تمثل الشباب المسيحي المصري على مبادرة مرشد الإخوان الرامية إلى عقد لقاءات مباشرة مع نشطاء سياسيين مسيحيين من الشباب، لتوضيح موقف جماعة الإخوان من شتى القضايا، وتهدئة مخاوف المسيحيين المصريين تجاه التطورات السياسية الحالية في البلاد.
والمنظمات الثلاث هي: حزب اتحاد الشباب المسيحي «تحت التأسيس»، والاتحاد الدولي للطلبة المسيحيين، والهيئة العامة لجمعية الشبان المسيحية، وقد وافقت الأخيرة على استضافة أول لقاء بين الجانبين في مقرها بشارع الجمهورية بوسط القاهرة بناء على طلب الشباب المسيحي.
[37] البشري، 738.
[38] عبدالحليم قنديل، “من يقتل الأقباط؟”، القدس العربي، 10/01/2011
[39] فدوى نصيرات، 11.
[40] فرحات، مصدر سابق.
[41] Saad Eddin Ibrahim, The Copts of Egypt, Minority Rights Group International,1996, a report.
http://www.unhcr.org/refworld/pdfid/469cbf8ed.pdf
[42] فرحات، مصدر سابق.
[43] فهمي هويدي، “أسئلة الفاجعة”، الجزيرة نت، 05/01/2011
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/53E0B994-5227-4652-9D75-6D0A82C8E956.htm
[44] ممدوح رمزي للشرق الأوسط: “أرفض المادة الثانية من الدستور”، (صحيفة الشرق الأوسط ، 19/2/2011).
[45] www.nytimes.com/2011/01/02/world/
middleeast/02egypt.html?_r=1
[46] http://articles.latimes.com/2011/jan/04/world/la-fg-egypt-copts-20110104
[47] http://www.washingtontimes.com/news/2011/jan/4/when-muslims-kill-christians
[48] شارك برأيك: “آراؤكم”: تداعيات تفجير كنيسة القديسين بمصر،”شبكة بي بي سي العربية، 01/01/2011
http://newsforums.bbc.co.uk/ws/thread.jspa?threadID=17151
[49] “برنامج بلا حدود”، قناة الجزيرة 15/09/2010
[50] “ساركوزي: هناك مخطط ديني ضد مسيحيي الشرق”، (شبكة أون إسلام 07/01/2011).http://www.onislam.net/arabic/newsanalysis/
newsreports/islamic-world/127651-2011-01-07-13-51-54.html
[51] “بابا الفاتيكان يطالب حكومات الشرق الأوسط وقياداته الإسلامية بضمان حماية المسيحيين”، وكالة الأنباء الكويتية 10/01/2011
http://www.kuna.net.kw/NewsAgencyPublicSite/ArticleDetails.aspx?id=2136838&Language=ar
[52] إميل أمين، “من القاهرة إلى الفاتيكان. أزمة أم سحابة صيف؟”، الشرق الأوسط، 18/01/2011
[53] “برنامج ما وراء الخبر: التصريحات الغربية لحماية مسيحيي الشرق”، قناة الجزيرة، 10/01/2011
[54] عبدالعظيم حماد، “من يريد فرض الطائفية على مصر؟”، الأهرام، 10/01/2010
[55] “برنامج ما وراء الخبر: أبعاد الهجوم على كنيسة الإسكندرية”، قناة الجزيرة، 03/01/2011
[56] http://weekly.ahram.org.eg/2011/1030/eg2.htm
[57] مأمون فندي، “مصر: كارثة ثقافية!”، الشرق الأوسط، 06/01/2011
[58] http://www.youtube.com/watch?v=WLI-8YyC4f0&feature=player_embedded
[59] نعمات مجدي، “مصير مشايخ التخلف بعد إغلاق قنوات الجاهلية”، تحقيق: روز اليوسف، 16/10/2010.
[60] صحيفة اليوم السابع، السبت 27/11/2010.
[61] رفعت سيد أحمد، “الوثائق الكاملة لفتاوى السلفيين ضد أقباط مصر”، روز اليوسف، 22/01/2011.
[62] رفعت سيد أحمد، المرجع نفسه.
[63] علي عبدالعال، “السلفيون والموقف من التصعيد أمام الدولة”، صحيفة الوطن، 09/01/2011.
[64] “الاحتفال برأس السنة ومشابهة أصحاب الجحيم”، مجلة التوحيد، العدد 23\8، ص20.
[65] من كتابه: تحذير الساجد من أخطاء العبادات والعقائد، في: رفعت سيد أحمد، المرجع السابق.
[66] عبدالله كمال، “خطورة السلفية”، روز اليوسف، 11/01/2011. المشكلة في كتابات هذا الكاتب أنها تحريضية وأن علاقته بالمؤسسة الآنية المصرية غير مخفية. وكان يعمل أحيانا بوق تحريض ضدّ خصوم النظام المصري السابق.
[67] علي عبدالعال، المرجع نفسه.

المصدر : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

 

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In دراسات وأبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

كيف يحتضن الإسلام غير المسلمين ؟

بحكم اهتمامي بقضايا مقاومة الفتنة والإنقسام جاءنى هذا السؤال الهام والعميق من بعض الشباب ا…