الرئيسية دراسات وأبحاث نحو تيار أساسي للأمة

نحو تيار أساسي للأمة

10 ثانية
0
0
1,014

ياسر الغرباوي

كما أكد هيجل “أن بومة منيرفا لا تحلق إلا عند الغسق”، بمعنى أن الإبداع الفلسفي والفكري عادة لا يتجلى ولا تبرز الحاجة إليه إلا في ساعات غروب قوة الأمم والشعوب، فينقدح ذهن الفلاسفة والمفكرين والمبدعين نحو مسار إبداع الحلول وتكوين الرؤيا القادرة على انتشال الأمة أو الشعوب من مرحلة التيه، والتخبط نحو مشارف المستقبل الواعد، وإمكانية الفعل، والأخذ بزمام المبادرة حتى ولو كان الواقع صفريا، ويبدو كالحا، فكما عبر الإمام الغزالي عن ذلك بقوله: “قد يكون في الجحيم نافذة على الجنة”.

وفي هذا الإطار ندرك أهمية الإصدار الجديد للمستشار المؤرخ طارق البشري، والذي بعنوان (نحو تيار أساسي للأمة) من إصدارات مركز الجزيرة للدراسات في سلسلة أوراق الجزيرة العدد الثامن، في 2008م، وأهمية الكتاب تبرز من خلال مسارين:-

الأول: توقيت صدور الكتاب؛ حيث صدر الكتاب والساحة العربية والإسلامية تشهد أفكارا انقسامية حادة، قلما ينجو منها تيار أو فيصل من الفصائل المعاصرة.

الثاني: هو محاولة الكتاب الإبحار خلف الأسباب والدوافع الكامنة، التي تحول دون توحد التيارات الفكرية المختلفة في تيار أساسي جامع للأمة، يدفع في مسار نهوض وتقدم الأمة، ويحاول تقديم وصفة فكرية لتلمس طريق الوحدة والتكاتف.

ويقع الإصدار في قرابة ثمانين صفحة من القطع المتوسط، ويحتوي على أربعة فصول هي: مكونات التيار الأساسي، والأوضاع الثقافية للحوار، ودور المؤسسات، والخاتمة، وقد أجمل فيها ما تقدم في الفصول الثلاثة السابقة.

ما هو تيار الأمة؟

ولكن ما هو التيار الأساسي للأمة الذي يسعى المستشار البشرى للتبشير به؟ حرص البشرى على تقديم تعريف دقيق لمصطلح التيار الأساسي للأمة هو “الإطار الجامع لقوى الجماعة والحاضن لها، وهو الذي يجمعها ويحافظ على تعددها وتنوعها في الوقت نفسه، إنه يعبر عن وحدة الجماعة من حيث الخطوط العريضة للمكون الثقافي العام، ومن حيث إدراك المصالح العامة لهذه الجماعة دون أن يخل ذلك لإمكانات التعدد والتنوع والخلاف داخل هذه الوحدة، ويكون التيار أساسا سائدا عندما تكون لدية القدرة والصياغات الفكرية والتنظيمية التي تمكن من تأليف أكثر ما يمكن من خصائص كل القوى والفئات الثقافية والسياسية والاجتماعية، فضلا عن الطوائف والمهن والجامعات المختلفة ذات الثقل، ويكون سائدا عندما تكون لديه القدرة أيضا على وضع صيغة للتوازن بين مختلف القوى والجماعات، وبهذا المعنى يمكن القول بأن فكرة التيار الأساسي تعد بوجه من الوجوه امتداد لحركة المشروع الوطني العام الذي تمت بلورته عن طريق الاستخلاص من الواقع الحي للحركة السياسية والثقافية القائمة في المجتمع”.

انطلق المستشار البشري في الكتاب من التجربة المصرية الرائدة في فترة، مقابل الحرب العالمية الأولى، باعتبارها في وجهة نظره حالة قياسية يتجلى فيها مفهوم التيار الأساسي الذي ُيُبشر به، والذي تجسد في واقع الأمة في تلك الفترة، مدللا على إمكانية تكرار التجربة في واقع الأمة المعاصر اليوم.

فهذا التيار الأساسي في نظره تجلى في الحالة المصرية، برغم التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي كانت سائدة في تلك الفترة، وكان مطلب جلاء المستعمر يمثل أولوية ملحة، وشرعا ضروريا للشروع في عملية النهوض حقيقية، ويكاد هذا المطلب أن يكون مشتركا بين كل قوى السياسية والاجتماعية المصرية.

وقد شمل هذا الفهم مكونات الحركة الوطنية، سواء كانت شخصيات فاعله، أمثال مصطفى كامل ومحمد فريد والشيخ عبد العزيز جاويش، أم أحزابا ناشطة في الحقل السياسي آنذاك.

وانطلق من هذه الخليفة الفكرية الأولية في الإصدار يبحر البِشري في رحلة فكرية سجالية رائعة، باحثا عن قسمات هذا التيار الأساسي، ومحددا مظاهره وعوامل تشكله، وأيضا باحثا عن أسباب انفراطه وتفككه، وراصدا بشكل دقيق للمعوقات التي يجب تجاوزها من أجل تكوين تيار أساسي حاضن لمصالح الأمة والدولة الوطنية العليا.

معوقات تكوين التيار

ما هي المعوقات الأساسية لتكوين تيار أساسي للأمة من وجهة نظر البشري؟ للإجابة على هذا السؤال الكبير استعرض البشري المكونات الثقافية للتيارات السياسية السائدة في مصر خلال السبعين والثمانين سنة الماضية، وأجملها في أربعة تيارات رئيسية:

1- التيار الإسلامي: والذي يدعو ويؤكد على فكرة مرجعية وجامعية سياسية، مع تقديم بند المرجعية على الجامعية السياسية، كجانب أساسي في دعوته.

2- التيار القومي: والذي ُيشدد على فكرة الجامعية سياسيا وحسب.

3- التيار الليبرالي: والذي يركز على الجانب الاقتصادي، دون إهمال الجانب السياسي ذي الصلة الوثيقة بقضية نظام الحكم.

4- التيار الاشتراكي: والذي يركز على قضايا العدالة الاجتماعية، وتوزيع الثروة، والانتصار للطبقات الفقيرة.

كل هذه التيارات السابقة تتفق على ضرورة مقاومة وإخراج المحتل والسعي نحو التنمية والنهوض.

ولكن هناك معوقات حالت دون استمرار التيار الأساسي من بينها:

أ‌- التناقض بين الإصلاح الفكري وحركة الإصلاح المؤسسي.

ب‌- اتخاذ التيار الإسلامي موقف اصطفاف مع القوى الإسلامية الأكثر جمودا وتشددا، كرد فعل لتيار التغريب ودعاوى العلمانية.

ج- الافتراق الذي وقع بين الحركة الوطنية العلمانية والحركة الوطنية الإسلامية من بعد الحرب العالمية الأولى.

د- عدم وضوح المسافة الفاصلة بين مفهوم الدولة الوطنية والأمة في المكون الثقافي للتيارات السياسية السائدة؛ مما يؤدي أحيانا إلى التعارض في الرؤيا والتصورات، وعلاقة ذلك بمركزية وقوة الدولة القومية.

كيف نصوغ التيار الأساسي؟

يؤكد البشري أن أهمية اتساع الأفق السياسي الذي يجب أن تتحلى به التيارات السياسية قبل الخوض في كيفية صياغة التيار الأساسي، ويوصي بضرورة النظر إلى الإطار العام، ومن كافة الزوايا؛ من أجل اعتبار التنوع والتعدد في المجتمعات قوة وليس ضعفا، وفي إطار الحديث عن العلاقة بين ما يعرف بالمشروع الوطني وبناء التيار الأساسي، وهو ما يعرف المشروع الوطني بأنه “الخطوط العامة التي لما يتراضى على إنجازه أهل جيل أو أهل مرحلة تاريخية معينة، وهو مجمل الأهداف التي تبدو في مرحلة تاريخية أنها تشكل أهم ما يتعين تحقيقه، وهو إجمالي ما يتراءى لأهل تلك المرحلة من مشاكل لجماعتهم ومن وجوه لحلها”.

وبعد هذا التعريف للمشروع الوطني ينطلق المؤلف إلى بداية وخلفيات تكون المشروع الوطني المصري ورؤية التيارات السياسية السائدة في تلك الفترة التاريخية لأولويات المشروع الوطني التي تراوحت بين مدرسة الثورة ومدرسة الإصلاح.

حزمة الشروط

ويعرض البشري عددا من الشروط يجب توفرها من أجل صياغة مشروع نهضوي كبير، يربط بين المشروع الوطني، والجماعة الوطنية، والتيار الأساسي، منها:

1- الإقرار العام بشرعية القوى ذات الأثر في الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية واعتبارها –كلها- عناصر تكوين الجماعة والأفراد.

2- ترابط مؤسسات الدولة والانسجام بين أجهزتها.

3- كفاءة الأجهزة المؤسسية المساعدة، التي تنتظم فيها الجماعات والقوى المتنوعة ذات الأثر في الحياة العامة، وقدرة هذه الجماعات على التعبير عن الذات من خلالها.

4- الأحداث المشتركة التي تلتقي عليها هذه الجماعة بقواها المختلفة، ووفقا للثقل النسبي لكل منها.

وينبع من هذه الشروط ثلاثية حيوية وأساسية، تمثل القاعدة التي يجب بناء المشروع الوطني، والجماعة الوطنية، والتيار الأساسي عليها، وهى:

– استقلال الذات الحضارية للجماعة، من حيث التكوين العقدي والنفسي.

ـ الاستقلال السياسي الذي يتمثل في تأكيد تحرير الإرادة السياسية للجماعة من الإملاء السياسي الخارجي.

– الاستقلال السياسي، بمعنى السعي لتوفير إمكانات التنمية الاقتصادية.

البيئة الحاضنة

وفى الفصل الثالث يُشير البشري إلى البيئة الحاضنة التي يجب أن تتوفر من أجل أن تجسد كل هذه الأفكار في دنيا الناس؛ حيث أكد ضرورة مأسسة تلك الأفكار من خلال المؤسسات الكبرى والصغرى التي تسهر على حماية المشاريع الوطنية والجماعة الوطنية وتفرز التيار الأساسي الذي يبشر به.

ويرصد المؤلف الفصام المؤسسي الذي وقع في جسد الأمة عمومًا، وجسد المشروع الوطني المصري خصوصا، والذي حال دون التحام بين المؤسسات التقليدية القائمة والمؤسسات الحديثة، وبالتالي نتج عن هذا عدم استمرار التيار الأساسي وتفككه سريعا.

ففي فترة محمد علي باشا في مصر كان يرسل المبعوثين للتعليم في أوروبا؛ لكي يستفيد منهم في مشروع حماية الدولة والأمة في صورتها العامة وتجديد نشاطها، على العكس من مدارس الخديو توفيق التي اتجهت نحو نقل آداب ونظم وفلسفات الغرب.

بمعنى أن المؤسسات الحديثة التي كانت على غير اتصال بالمؤسسات القديمة، وإن كانت موظفة لخدمة المجتمع، لكنها لم تكن لديها الحصانة الفكرية التي تمكنها من البقاء؛ لذا استطاع الغزو الأوروبي أن يضع يده عليها وعلى هذه المؤسسات الحديثة ويهيمن عليها، ويغير وظيفتها الوطنية ويلحقها به؛ لأنها بدون فكر مرجعي اجتماعي سياسيي، بينما لم يستطع فعل هذا مع المؤسسات التقليدية التي كانت محصنة بفكرها المرجعي الموروث.

وُيدلل على فشل المؤسسات الحديثة في الحفاظ على وحدة الأمة من خلال الواقعة التاريخية التالية:

والواقعة يقارن فيها بين قدرة المصريين على التحرك للمقاومة في أيام الحملة الفرنسية 1798- 1802، ففي 1805 تولى محمد علي السلطة، وفي 1807 عندما خرجوا يقاومون الغزو البريطاني في معركة رشيد؛ حيث تحرك المصريون وأنجزوا مهمة الجيوش، وفى المقابل نقارن ذلك بالوهن الشديد الذي تحركوا به لمقاومة الإنجليز في عام 1882؛ حيث استسلم المجتمع برمته مع هزيمة جيش عرابي في معركة التل الكبير، برغم أن المجتمع في هذا التاريخ كان قد عرف جيشا مصريا أكثر تطورا من جيش المماليك، وعرف مجلسا نيابيا ذا سلطات رقابية على الحاكم، وعرف صحافة متعددة منتشرة في القاهرة والإسكندرية، وعرف حركة حزبية وهيئات تنظيمية متعددة، ولكن كل هذه المؤسسات والهيئات والتنظيمات التي تعد إصلاحات مؤسسية وقفت ساكنة لا تتحرك عندما انكسر الجيش، برغم أنه قبل 75 عاما كان المحتل عندما يدخل لا يعرف من أين يتلقى الضربات.

ويُعلق البشري على ذلك بأن النظم الوافدة، ومنها التنظيمات المؤسسية والقانونية أسهمت في تفكيك الأواصر المجتمعية القائمة على الانتماء والولاء للأمة، وضربت ما يمكن أن نسميه ((الجامعية)).

وعملت على إزالة شعور كل هذه الجماعات بذاتها وشعور الفرد بارتباطه بها وانتمائه لها، وجرى ذلك تحت شعارات كثيرة منها الحداثة والترشيد أو الديمقراطية، وكل تلك الشعارات ذات مدلولات صحيحة من حيث إنها تشكل غايات يحسن للمجتمع أن يتبناها، لكنها بُترت من سياقها ووضعت في سياق آخر.

وفى النهاية يرسو البشري على شاطئ الفصل الرابع والأخير موضحا جملة من القضايا الكبرى المصاحبة لفكرة التيار الأساسي للأمة، والتي لا بد من ضبط البوصلة حولها؛ حتى يخرج التيار الأساسي قويا في الأمة، منها:

قضية المواطنة، والتي يعتبرها مهمة، وعبر عنها بقوله في أن يكون (( معيار المواطنة هو ما تتكفل به الصلاحية لتولي الشئون العامة، والولايات العامة في الدولة والجماعة، فلا يستبعد من صلاحية التولي لهذه الشئون العامة، ولا يحرم من فرص تبوء الولايات العامة؛ بسبب اللون والعرق أو انتمائه إلى جماعة دينية أو لغوية أو عشائرية من الجماعات الفرعية التي تندرج في عداد من تشملهم الجماعة السياسية)).

وعرج المؤلف أيضا على قضايا الديمقراطية، وعلاقتها بالتيار الأساسي للأمة، وماهية العلاقة بينها وبين الجماعة الوطنية والدولة والمشروع الوطني، وبهذه الإطلالة الموجزة نكون قد استعرضنا بصوره عامة كتاب “نحو تيار أساسي للأمة” تاركين للقارئ الكريم سبر أغوار الكتاب والتأمل في محطاته المتداخلة.

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In دراسات وأبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

الوحدة قبل التوحيد

تقدمت الحضارة الإسلامية عندما ساد الإحترام والتقدير المتبادل بين كل المكونات المتنوعة في ا…