الرئيسية صدى الأحداث عندما أحيا السلام العظام وهي رميم (2)

عندما أحيا السلام العظام وهي رميم (2)

1 ثانية
0
0
793

ياسر الغرباوي

مع إشراقة شمس كل صباح، تُغادر زينب بيتها الصغير في قرية “أرارا” في غرب دارفور، نحو مزرعة الوئام والسلام، لتعمل بجد في فلاحة الأرض، وري الخضروات، ثم إعدادها لتكون صالحة للبيع في سوق الثلاثاء، الذي يُعقد في القرية كل أسبوع، وتتشارك زينب مع عشرة مزارعات أُخريات من قريتها نفسها في رعاية مزرعة الوئام والسلام وتنميتها، فما قصة مزرعة الوئام والسلام؟

مزرعة الوئام والسلام إحدى روافد مشروع الوئام الاجتماعي بقرية أرارا/ محلية بيضة/ ولاية غرب دارفور- الذى سبق الحديث عنه في المقال السابق “عندما أحيا السلام العظام وهي رميم (1)” -والهادف إلى إعادة الوئام الاجتماعي بين القبائل في قرية (أرارا)، والذى تمزقت وشائجه نتيجة الحرب الأهلية والنزاع، وذلك عبر تسخير كل المشاريع والأنشطة الاجتماعية والمساعدات الإنسانية لتكون سبيلًا لبناء السلام بعد النزاع في القرية؛ ففلسفة مشروع الوئام تعتمد على تصفية دوافع الانتقام والكراهية بين المكونات الاجتماعية في القرية، وهو شرط مبدئي لضمان استقرار المجتمع والمنطقة بعد الحرب وتنميتهما؛ ولذلك عمد مشروع الوئام إلى إنشاء مزارع الوئام في القرية لهدفين رئيسين:

الأول: توفير وسيلة كسب للأمهات الفقيرات في القرية، من خلال عملهن في المزرعة، والثاني: تنمية وشائج الرحمة والمحبة بين أفراد القبائل والأسر في المنطقة، عبر تنوع قبائل التي تنتمي لها المزارعات؛ فكل مُزارعة تنتمي إلى قبيلة وعائلة مختلفة عن الأخرى.

ونتيجة الصراع والنزاع سابقًا فمعظم القبائل التي ينتسبن لها المزارعات انخرطت في الصراع الأهلي في دارفور، وهذا قاد إلى سيادة القطيعة والكراهية بين أفراد تلك القبائل على المستوى الاجتماعي والثقافي؛ فحالات المصاهرة بين القبائل أصبحت نادرة، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية بين مختلف العائلات أصبحت عزيزة! فجاءت فكرة جمع هؤلاء المزارعات الفقيرات بعد توقيع اتفاقية السلام للعمل يدا بيد في مزرعة واحدة، وتقاسم أُكُلها الذى يفيض منها بإذن ربها بالتساوي، وهي وسيلة تُساعد في إعادة رتق النسيج الأهلي الذى تمزق بفعل الصراع، فشرط مشروع الوئام لمنح المزارعات مساحة لعمل المزرعة، وتقديم المساعدة لهن، وتوفير الآلات الزراعية: هو قبولهن بالعمل معا، وإزاحة الكراهية والذكريات المؤلمة للحرب جانبًا، والتعلُّق بالأمل وتضميد الجراح عبر الشراكة، وعدم السماح للماضي المؤلم أن يغتال المستقبل.

وقد ساهمت فكرة مزرعة الوئام في إنشاء فضاء اجتماعي جديد في قرية “أرارا”، قائم على التواصل والمسامحة والمحبة، وهذا ما لمسته في لقائي مع هؤلاء المزارعات وحديثي معهن؛ فقد وجدت أن اللقاء اليومي بين الفلاحات وعملهن معًا، وشراكتهن في خدمة الزرع ورعاية المحاصيل والسهر عليها، ثم نقلها للسوق وتقاسم المكاسب بالتساوي، ومواجهتهن للمخاطر التي تحيق بالخضراوات، والتفكير في زراعة أصناف جديدة تدر دخلًا أوفر، وتتطلب جهدًا أقل، قد نسج بينهن خيوطًا من الرحمة والمودة، انتقلت منهن إلى الأسر والعائلات في نواحي المنطقة المترامية، خاصة أن المرأة في إقليم دارفور تتمتع بمكانة اجتماعية كبيرة.

لذلك كان المشروع موفَّقًا عند ما بدأ بالنساءً أولًا دون الرجال؛ لأن فرص إعادة التواصل الاجتماعي بين القبائل من خلالهن عالية وممكنة وسريعة؛ لذلك تعد تجربة “مزارع الوئام والسلام” في غرب دارفور تجربة ملهمة ومفيدة في كيفية إعادة هندسة العلاقات بين المكونات المتحاربة وتحويلها نحو الاستقرار والوئام، عبر البناء المتدرج والصبور، القائم على الشراكة والعمل معًا بين النساء والأمهات.

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In صدى الأحداث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

كيف يحتضن الإسلام غير المسلمين ؟

بحكم اهتمامي بقضايا مقاومة الفتنة والإنقسام جاءنى هذا السؤال الهام والعميق من بعض الشباب ا…