الرئيسية دراسات وأبحاث ثورات الربيع العربى وإستراتيجية إدارة التنوع والإختلاف

ثورات الربيع العربى وإستراتيجية إدارة التنوع والإختلاف

26 ثانية
0
0
950

ياسر الغرباوي garbawy@hotmail.com

المشهد العام

نجحت الدول العربية وشعوبها في التعامل مع الغازى المحتل بكافه أنواعه وإختلاف منابعه،سواء جاء من الشرق أو وثب على المنطقة من جهه الغرب،ولكن في المقابل لم تحقق الدول العربية نجاحات كبيرة في إدارة ملف التنوع والإختلاف  الإثنى ،ولم تنضج بعد رؤيتها الفلسفية والإجرائية تجاه قضايا (إدارة التنوع الإثنى – توزيع الثروة – تقاسم السلطة ،الحفاظ على وحدة الجماعة الوطنية)،على الرغم من أن الفشل في التعاطي مع التحدى الداخلى نتائجه كارثية؛لأنه يدفع مباشرة في اتجاه تهديد السلم الأهلى، وقد ينتهى بالحروب الأهلية والطائفية التي ينتج عنها جروح دامية في الجسم الوطني ومن الصعب أن تندمل بسهولة.

التهديد الممتد

 فالعديد من الدول العربية من المحيط إلى الخليج باتت اليوم مهددة بحالة انقسامية كبيرة من عناوينها السجال السني/الشيعي فى البحرين،والاحتقان الأمازيغي/العربي فى دول المغرب العربى، والصراع الكردي/العربي فى العراق، والصراع الإفريقي/العربي في السودان،والإحتقان الطائفي فى مصر.ومما يزيد الوضع تعقيداً  دخول الثورة السورية عامها الثانى وبروز الروح الطائفية بشكل سافر  مع دخول حزب الله علنا للمعارك الميدانية ووقوفه ضد طموحات الشعب السوري المنادي بالكرامة والحرية والمساواة.

ومن خلال هذه الإحصائيات التالية يتضح لنا مدى خطورة وأهمية ملف إدارة التنوع والإثنى والايديولوجي والمناطقى فى  ربوع الوطن العربى عموما :

1-    الصراعات الداخلية (الإثنية) فى الدول العربية أعلى من حيث خسائرها البشرية من الصراع العربي-الإسرائيلي؛ فقد بلغ عدد ضحايا الحرب الأهلية اللبنانية  لوحده فقط عدد ضحايا كل جولات الصراع مع إسرائيل!!، وهو حوالي 200.000 في الحالتين (Sadd El-Din Ibrahim1995).

2-   في التقرير السنوي الذي يصدره صندوق السلام والسياسة الخارجية Fund for Peace & Foreign Policy منذ عام2005 عن قائمة الدول الفاشلة على مستوى العالم، احتل كل من السودان والعراق والصومال المراكز الثلاثة الأولى على التوالي من بين 60دولة شملتها القائمة ((Fund for Peace & Foreign Policy2007. مصطلح يُشير إلى دول  التى تبدو “عاجزة بشدة عن الاستمرار كأعضاء في الجماعة الدولية” وذلك نتيجة لشيوع مظاهر العصيان المدني أو العنف الداخلي أو الحرب الأهلية

3-   اعتلاء السودان قمة قائمة الدول الفاشلة للعام الثاني على التوالي فى التقرير السابق ذلك بسبب مأساة دارفور التي حسبه تسببت في مقتل ما بين 200.000 و400.000 ألف شخص من2003 إلى 2007، فضلاً عن نزوح ما بين مليون و3مليون نسمة.كما وضع التقرير نفسه كلاً من اليمن ولبنان ومصر وسوريا وموريتانيا في المراكز 24 و28 و36 و40 و45 على التوالي.

4-  ذكر تقرير بعثة المساعدة الموفدة من الأمم المتحدة للعراق UN Assistance Mission to Iraq في أكتوبر/تشرين الأول2006، أن عدد النازحين داخل العراق قفز من 800.000 قبل2003 إلى 1.024.000 في2006، وبلغ عدد اللاجئين العراقيين 500.000لاجئ ؛ذلك نتيجة العنف الطائفي

5-   رصد تقرير مجموعة الأزمات الدولية في 27فبراير/شباط2006 فيما يخص الطائفية في العراق اعتباراً من عام2003 رصد تراجع نسبة الزواج المختلط كآلية من آليات التكامل بين سنة العراق وشيعته من 50% في السبعينيات إلى 5% في التسعينات إلى 0% في نهاية عام2005 (International Crisis Group2006) *

  ثورات الربيع العربى و قضايا التنوع الإثنى والأيديولوجي :

هذه إحصائيات كاشفة عن عن طبيعة المخاطر التى تهدد وحدة واستقرار المجتمعات العربية  بشكل عام دون الخوض فى التفاصيل الدقيقة لكل دولة على حدى، وتكشف لنا  فى ذات  الوقت ضرورة التدخل السريع لتدراك الأزمات قبل وقوعها، وبلدان الربيع العربي (مصر ،وتونس ،ليبيا واليمن وسوريا ) هى الأخرى بها تشنجات إجتماعية حادة مثل بقية الدول العربية  ومع حدوث الثورات فيها واسقاط الأنظمة المستبدة  بها مازال ملف إدارة التنوع الإثنى يُطل برأسه. فالثورات هدمت النظم السياسية المستبدة لكنها لم تعالج الجروح التاريخية والدينية والطائفية واللغوية التى زرعتها تلك الأنظمة بين مكونات المجتمع ،فهذه الأنظمة استغلت التنوع الإثنى والأيديولوجى والجغرافى بشكل سافر لإحداث فتن طائفية ومجتمعية لصرف الأنظار والإهتمام الجماهيري عن إخفاقاتها الإجتماعية والسياسية نموذج – نظام حسنى مبارك البائد –  وقضايا الأقباط-. و مع هذه الأثار السلبية التى تركتها الأنظمة البائدة فى المجتمعات ومع سقوط قبضة الأجهزة الأمنية الضاغطة بدأت تظهر للعلن مطالب الجميع؛ فكل فصيل قد ظُلم وُهمش وتم إقصاءه خرج للشارع يُطالب بحقه الدستوري و السياسي والإجتماعى بدون خوف أو وجل .

لذلك لايٌعتبر نجاح الثورات العربية فى إسقاط الأنظمة  مرادفاً لإنتهاء خطر الإنقسام والإختلاف الحاصل بين مكونات المجتمع ؛فملفات التمييز العرقى والطائفي والمذهبى  الناتجة عن التنوع الإثنى  والثقافى المُكون للمجتمعات  العربية قديمة ومتشابكة وتحتاج إلى وقت وجهد وبرامج ميدانية حقيقية تعالج جذور المشاكل وليس مظاهرها ،وكل ما فعلته الثورات فى هذا المجال هو الإعتراف بالمشكلة وبداية البحث عن حلول جادة بدلاً من إنكار المشكلة ومعالجتها بالأدوات الأمنية والقمعية كما كانت تفعل الأنظمة المستبدة . فالثورات العربيةفى (تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا) وهى فى مرحلة الإنتقال الديمقراطي وإعادة بناء مؤسسات تشهد توتراً حاداً وكبيراً  فى كافة المجالات وخصوصا ملف إدارة التنوع والإختلاف بين مكونات المجتمع ؛ فكل بلدان ثورات الربيع العربى تعاني من حالة الإنقسام والفرقة الضارة بدرجة من الدرجات؛ فى على الرغم من  متانة وحدة الجماعة الوطنية المصرية تاريخيا  إلا أن بروز بعض الوقائع الطائفية بين المسلمين والمسيحيين بعد  ثورة 25 يناير مثل حادث  إحراق وهدم كنسية الشهيدين بمركز أطفيح ، وحادث ماسيبرو ،وإنسحاب الكنائس المصرية من اللجنة التأسيسة لوضع الدستور يؤشر على ضرورة الإلتفات لهذا الملف وسرعة معالجته لأنه خطره على  الثورة لا يقل عن خطر الثورة المضادة بل قد يُسخدم كأداه من أدوات الثورة المضادة المدعمة من بعض الدول الخارجية ، وكذلك تعانى ثورة ليبيا بشكل كبير وحاد من خطورة النزعة الإنقسامية القائمة على أساس جغرافي ومناطقي  مثل المطالبة  بنقل عاصمة ليبيا من طرابلس إلى بنى غازى لأنها المدينة التى فجرت الثورة ومهدت الطريق أمام الثوار. والأشد خطراً على الثورة الليبيبة هو الاحتكام إلى السلاح ومحاصرة مؤسسات الدولة الوليدةبه. وذلك ثورة اليمن تُبحر نحو المستقبل وسط حقل من الألغام الانقسامية بكافة أنواعها المذهبية والجغرافية مثل قضية الحوثيين، ومطالبة بعض القوى  السياسية الجنوبية بإنفصال اليمن الجنوبي وإنهاء الوحدة .

  وكذلك الوضع فى تونس الثورة فعلى الرغم من وحدة النسيج الإجتماعى التونسي وعدم وجود أقليات إثنية  ما عدا الأقلية اليهودية المحدودة، إلا أن الثورة هناك تعانى من إنقسام أيديولوجى حاد بين القوى الإسلامية بكافة أطيافها والقوى العلمانية واليسارية من جهة أخرى،وتُعتبر واقعة إغتيال شكري بلعايد ناقوس خطر للجميع على ضرورة عدم إتاحة الفرصة أمام أعداء الثورة لإجهاضها عبر إدخال الجميع فى أتون عنف أهلى حاد، ويُضاف إلى ذلك ظهور السلفية الجهادية  فى الساحة التونسية وما يفرضه ذلك من تحدى على السلطة القائمة وعلى الأحزاب السياسية . وخطورة الوضع الطائفي فى الثورة السورية وتاثيره فى مستقبلها أمر واضح للعيان، ويُعد أكبر عائق أمام إنتصار الثورة ويكفى أن نعرف أن سوريا بها  18جماعة إثنية مختلفة .

إستراتيجية الخروج من الأزمة

وانطلاقا مما سبق نُدرك أن بلدان ثورات الربيع العربى تعانى من تحدى إدارة التنوع والإختلاف بكافه أنواعه ولذلك سنفصل فى الأسطر التالية استراتيجيات وآليات إدارة التنوع والإختلاف الكفيلة بتحول هذا التنوع إلى عامل قوة وليس عامل ضعف للدولة والمجتمع  بشرط مشاركة جميع الهيئات والكيانات فى مسيرة الحل والتطبيق سواء السلطة أو الأحزاب أو مؤسسات المجتمع المدنى عبر استراتيجية واضحة تنقسم إلى أربعة محاور هما:

 المحور الأول : يتم فيه إنشاء مراكز دراسات وتفكير مهمتها الرئيسة هي ضبط عالم الأفكارمن خلال الإجابة على العديد من الأسئلة المتعلقة بهذا الملف مثل   كيف نحافظ علي وحدة الجماعة الوطنية ؟؟  وماهى خبرات الدول الناجحة فى هذا المجال وكيف يُمكن الإستفادة منها ؟؟ وماهى طرق فض النزاعات بالطرق السلمية والحضارية ؟؟ (أ) ويتم ايضا من خلال هذه المراكز التعمق في  الدراسات التاريخية والجغرافية والسياسية والدينية  وغيرها من المجالات الأكاديمية التي تساعدنا في صياغة استجابات خلاقة و حقيقة لتحدى الانقسام والفرقة ويكون من مهام هذه المراكز أيضاً  وضع الخطط العشرية التي تهدف إلي أمرين هما:

1- محاربة منابع ومظاهر الأفكار الانقسامية  في شتي مناحي الحياة الإجتماعية وحواضنها المختلفة سواء كانت الإعلامية والتربوية وخصوصا  الدينية من زاوية رصد الخطاب الديني في السائد الكنائس والمساجد والحوز والفضائيات   ومحاولة تصوبيه نحو دعم قيم التسامح والتعاون والتعايش (ب)

 2-  وضع خطط ثقافية لنشر قيم الوحدة والعيش المشترك في الأجيال الصاعدة عبر المناهج التعليمية والبرامج الثقافية ووسائل الفن المختلفة من مسرح وسينما وتليفزيون

وهذا المحور على درجة كبيرة من الأهمية لأنها تُمثل صناعة ثقيلة وتحتاج إلى تمويل وفير وفريق بحثى عالى الإحتراف والتخصص ،فالساحة العربية من شرقها إلى غربها لايوجد فيها مركز واحد متخصص فى فض النزاعات والصراعات الداخلية .(ج)

المحور الثاني : ويتمثل  فى إنشاء فرق إطفاء سريعة الحركة تكون مهمتها الرئيسة إطفاء  الحرائق الطائفية والإثنىة التي تشتعل في  المجتمع  ومحاصرتها ومنع امتدادها إلي مناطق أخري، و تشكل هذه الفرق من أطياف المجتمع المختلفة ويكون فيها  لجان  تقصي حقائق ، و سفراء للنوايا الحسنة من الدعاة العقلاء من كل الأطراف، ووجهاء المجتمع، وكل من له تأثير علي العقل الجمعي العام  و الهدف من هذه الفرق هو توفير حاضنة اجتماعية مدنية تسهر علي ملف معالجة الحرائق الإثنىة والطائفية والفئوية (د)،وقد انشئت مصر بعد الثورة فى عهد حكومة الدكتور عصام شرف لجنة معنية بهذا الأمر هى لجنة العدالة الوطنية التابعة لمكتب رئاسة الوزراء.

المحور الثالث– عنوانه العمل بفلسفة بناء الجماعة الوطنية وليس بمنطق الأغلبية السياسية :

ينبغي للحركات والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني فى بلدان الربيع العربي أن تتعامل مع بعضها بفلسفة الجماعة الوطنية  ذات المصير والهدف الواحد وليس بمنطق الأغلبية والأقلية السياسية الضيق القائم على اقتسام الغنائم وعدد المقاعد النيابية والقوى التصويتية(هـوهذا ما عبر عنه المستشار طارق البشرى بمصطلح بناء التيار الأساسي للأمة فى كتابه الصادر عن مركز الجزيرة للدراسات(و) وهنا يقع عبء كبير على الأغلبية سواء كانت اجتماعية أو السياسية في احتضان الأقليات وتطمئنها وأحيانا التنازل عن بعض مكتسباتها فى سبيل الحفاظ على وحدة وتماسك الجماعة الوطنية، فالمراحل الانتقالية فى حياة المجتمعات تدار بالتوافق والتراضي وليس بمنطق الضربة القاضية ولمس الأكتاف والصراع الانتخابي الضيق، ويعد النموذج التونسي مُتقدم على غيره فى هذا الملف خصوصا حركة النهضة التونسية صاحبة الأغلبية السياسية ولكنها تُبدى مرونة  سياسية جيدة فى التعامل مع الأحزاب الأخري التى لم تحصل على الأغلبية

المحور الرابع :عنوانه مد الجسور لا بناء القلاع :

بناء القلاع والحصون بين الكيانات الاجتماعية والسياسية وعزلها عن بعضها البعض كان ومازال من أبرز أساليب الطغاة، فقلما تجد مؤسسة  مدنية عربية تجمع أفراداً من الشيعة والسنة فى سوريا، أو من المسلمين والمسيحيين في مصر أو من اليساريين والإسلاميين  فى تونس؛ لذلك ينبغي على القوى الثورية أن تطلق مئات المؤسسات المدنية والأحزاب والمبادرات القائمة على بناء الجسور بين كل المكونات الاجتماعية والسياسية والثقافية في الوطن.وعبر هذه المحاور الأربعة يمكن للمجتمعات العربية الثائرة أن تقلع نحو فضاء الحرية والمساواة والعدالة متجاوزةً  عواصف الفتن الطائفية التي تسعي الأطراف الخارجية لزرعها ونشرها في جسد المجتمع  من أجل إجهاض  حلم بناء شعوب عربية قادرة ومستقلة والحرة

 

 

* مصدر الإحصائيات د/نفين مسعد ،”تنوع الهويات وأثره على التنمية في الوطن العربي” http://www.tanaowa.com/?p=1124، 29/5/2013

(أ)  دانيال برومبرغ ،التعدد وتحديات الإختلاف، ترجمة عمر الأيوبي ،دار الساقى 1997 بيروت

(ب) مجموعة مؤلفين، الحوار المذهبى فى المملكة العربية السعودية، 2007 ،أطياف للنشر والتوزيع ،القطيف

(ج) سنثياسامبسون، محمدأبو نمر،ترجمة فؤاد سروجى “المقاربات الإيجابية لبناء السلام” ،2007،الأهلية للنشر والتوزيع

 (د) ياسر الغرباوي، أنظمة مقاومة الفتنة ،دراسة غير منشورة ، 2013،مركز التنوع للدراسات ،القاهرة

(هـطارق البشرى،المسلمون والأقباط فى إطار الجماعة الوطنية ،دار الشروق ،2004 ،القاهرة

)  طارق البشرى ، نحو تيار أساسي للأمة ،مركز الجزيرة للدراسات ، الدار العربية للعلوم ،2008 ،بيروت

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In دراسات وأبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

كيف يحتضن الإسلام غير المسلمين ؟

بحكم اهتمامي بقضايا مقاومة الفتنة والإنقسام جاءنى هذا السؤال الهام والعميق من بعض الشباب ا…