الرئيسية صدى الأحداث اوعي تدخل مزارع القصب (1)

اوعي تدخل مزارع القصب (1)

0 ثانية
0
0
989

ياسر الغرباوي

تكلمت الأسبوع الفائت مع شاب جامعى فى كلية الهندسة يذوب عشقا لمصر، ويؤمن بأن مستقبل البلد مرهون بتحقيق أهداف ثورة 25 يناير (عيش حرية عدالة اجتماعية)، ومستعد أن يقدم روحه فداءً لهذه القيم التى ينادى بها، فقال لى: يا أستاذ مفيش حل هينفع مع الانقلاب غير استخدام القوة!! إحنا منذ عام بنقاوم فى الشوراع والجامعات، الأمن قتل بالرصاص الحى ثلاثة من زملائى بدم بارد، ولى صديقان فى الزنزانة منذ عام!! خدنا إية من السلمية بقى!! فقلت له كلامك صحيح لم يحدث تغيير فى الدنيا إلا من خلال القوة والاحتشاد والعنفوان، ولكن بهدوء تعال أحكى لك هذه القصة التى كنت شاهدا عليها وعشت فصولا منها مع شاب مثلك كان مملوءًا بالحماسة والاندفاع وبعدها قرر هتعمل أية وهتمشى إزاى.
من المُدرج إلى مزارع القصب
فى ساحة جامعة القاهرة وتحديدا فى كلية الآداب، قسم الجغرافيا فى العام 1994 كان لنا زميل اسمه عبد الحميد كان شابا خلوقا، هادئ الطبع، قليل الكلام، لا يكاد أحد فى الدفعة يشعر به، وكان مواظبا على الحضور فى السنة الأولى، ثم بدأ تواجده يقل تدريجيا حتى جاء العام الدارسى الثانى وإذا أثره قد اختفى تماما من الكلية فلا يكاد يراه أحد، وكنت قد تعرفت عليه فى بداية العام الدراسى الأول، ومن النقاش معه عرفت أنه ينتمى لأحد التيارات الإسلامية التى كانت ترى العنف سبيلا للتغيير، وهذا عكس ما كنت أؤمن به، فأنا أرى أن اتباع النضال الدستورى لنيل الحقوق والحريات كان مفيدا فى تلك الفترة، وسبب غياب عبدالحميد يرجع إلى انخراطه فى أنشطة الجماعات العنيفة وترتب على ذلك أنه ترك فضاء الجامعة، وانقطع عن الدراسة، وانفصل عن الطلاب، ودخل فى صراع عنيف مع أجهزة الدولة، واستقر به المقام مطاردا فى أقاصى الصعيد وسط حقول القصب وشعاب جبال البحر الأحمر فى الصحراء الشرقية، ثم قبض عليه بعد ذلك وقضى فى السجون أعواما مديدة، ثم خرج مؤخرا فى أعقاب ثورة يناير 2011 بعدما خسر شهادته الجامعية والعديد من خبرات الحياة، وطبعا لم ينجح فى تغيير شىء فى مصر، وعلى الرغم من كل هذه التضحيات التى قدمها هو وغيره من الشباب الذين هم على فكره ومنهجه، لكننى وجدت أن جميع الطلاب فى القسم والكلية لا يعرفونه ولا يتعاطفون معه وغير مقتنعين بمساره ومسيرته، وربما يمتد هذا الأمر إلى مسقط رأسه ومكان نشأته.
لماذا لا تتعاطف الجماهير
وبعدما انتهيت من سرد هذه القصة قال لى الطالب الثائر: لماذا لا تتعاطف الناس مع عبد الحميد وهو طالب معهم وكان يريد الحرية والعدالة لهم وضحى من أجل مستقبلهم؟!
فقلت له يا عزيزى السبب هو أن عبدالحميد كان يُفكر مثلك تماما الآن، معتقدا أن استخدام القوة الصلبة واستخدام السلاح والعنف والقتل سوف يقود إلى التغيير، ويحقق الحرية والعدالة والمساواة، ونسى أن القوة الحقيقية المطلوبة لإنجاح أى تغيير اجتماعى أو سياسى تكمن فى وجود تأييد جماهيرى عريض واسع ومنتشر فى طول البلاد وعرضها، مؤمن بمسار الثورة والتغيير وقادر على احتضان الثوار والمقاومين، فالحرب الأخيرة فى غزة أكدت أن المقاومة العسكرية وحدها غير مجدية إذا فقدت الظهير الشعبى والتأييد الجماهيرى السابغ.
فمن الأخطاء المتكررة التى يقع فيها الثوار هى الانفصال عن المجتمعات والرأى العام بدافع المشاعر المتأججة والنوايا الصادقة والأيديولوجيا الكثيفة التى تحجبهم عن الرؤية، وهنا انفعل الشاب وقال لى: يعنى نقعد فى البيوت بقى ونلبس الطُرح ونسيب البلد تضيع؟!
قلت له: كلامك مش صحيح هذه المرة، ولكن المطلوب منك ومن زملائك أن تشتغل صح وتتواصل مع الجماهير والطلاب وتطرح عليهم قضيتك بشكل مبدع ومبتكر ومناسب لهم، بعيدا عن الانفعال والتوتر، فالزمن والوقت لصالح الثورة والثوار لا تستعجل فى قطف الثمار، ابن قدراتك السياسية والجماهيرية والإعلامية وراهن على المستقبل وتجنب المعارك الخسارة والمستنفدة للجهد والوقت والمال، وراجع أخطاء الثوار المعاصرين، واختر وسيلة للتغيير تتناسب مع مجتمعك بعيدا عن السقوط فى نفق العنف الذى سيخسر فيه الجميع حتى تتجنب مصير صديقنا عبدالحميد.
وعند هذه النقطة بدأ الشاب يطرح أسئلة أخرى أكثر عمقا تتعلق بكيفية تنفيذ وتطبيق هذه الأفكار السابقة على أرض الواقع، فطلبت منه أن نكتفى هذه الليلة بهذا الجزء، ولكن على وعد باستكمال النقاش فى مرة أخرى.

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In صدى الأحداث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

 مستقبل الرحمة في زمن الكورونا

يرى جاك أتالي عالم الاجتماع الفرنسي في مقاله " لن يعود العالم كما كان من قبل" أن النظرة إل…