الرئيسية تقارير ومقالات الكذب الجماعي والقتل الجماعي

الكذب الجماعي والقتل الجماعي

0 ثانية
0
0
1,468

ممدوج الشيخ

مصر العربية

منذ فجر تاريخ الإنسانية كان القتل وسيلة البعض لحسم التنافس، وهو – في تقديري – أحد نتائج “كراهية التنافس”، والنتافس الشريف أحد أهم القواعد التي أرستها الأديان السماوية، وربما يكون هذا أحد أسباب انحيازي إلى “التنافسية السياسية”، وقرينتها الديموقراطية حيث أعتبر أنها “تدريب عملي” على رؤية الحياة كلها كمسار تنافسي. والأديان جاءت لتضع البشر جميعاً في “مسار تنافسي”، حيث الحياة كلها مباراة يتنافس فيها المخلوقون في جمع الحسنات أو السيئات!

وخطيئة إبليس الكبرى أنه رفض أن ينافس آدم على الجنة معتبراً أن الخير لا يقوم على “الكسب” بل هو مرتبط بالمادة التي خلق منها، قال تعالى في سورة الأعراف على لسان إبليس: “قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ”، والأديان السماوية جاءت لترسي قواعد أولها أن الفضل مكتسب وأن أحداً لا يغني عن أحد، وكذلك لا يغني عن الإنسان ماله ولا نسبه ولا …..

وفي سورة المائدة يقص رب العزة قصة أول حادث استخدم فيه “القتل” وسيلة لحسم التنافس، قال تعالى: “وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(28).

ودونما تأويل، كان سبب القتل “التنافس في التقرب إلى الله” وليس الصرع على أنثى – كما يشيع في كثير من كتب التفسير – والأقل كفاءة قرر حسم المنافسة بالتخلص من المنافس، وتشهد مصر حالياً خطاباً يرى أصحابه أن الاحتكام إلى منطق “اقتلوا يوسف” هو ما يجعلهم – كما توهم إخوة يوسف – صالحين!

وقد بسطت هذا التصور بشيء من الاستفاضة في كتابي: “مدخل إلى ثقافة قبول الآخر: رؤية إسلامية”. وأعادتني إليه أجواء تبعث على الكآبة تشيع في الإعلام والخطاب العام.

ومن قتل الفرد إلى القتل الجماعي تطورت منظومة “رفض التنافس” والاقتناع بأن التخلص من المنافس هو الحل، وأصبح هذا “الأفضل /المنبوذ” ضحية يعاد إنتاجه دائماً. وفي الهولوكوست الرواندي الذي حدث عام 1994 وقتل فيه مليون من المدنيين في مائة يوم كان الإعلام يحرض الهوتو على التوتسي بأفكار من نوع: “اقتلوهم وخذوا ممتلكاتهم”، “القضاء على الهوتو يمنحكم وظائفهم” وكان التحريض ممزوجاً بغير قليل من مخاطبة مطامع الهوتو ومواجعهم.!

ومن النتائج التي خرجت بها دراسات هي الأهم في تاريخ ظاهرة الإبادة الجماعية أن الزحام يخلق البيئة المواتية لقبول فكرة أن التخلص من البعض يمكن أن يكون طريقاً إلى الرفاهية، بحسة غرائزية بسيطة …. وحقيرة!

وقد فوجئت في أحد الدرسات الأكاديمية الغربية في علم الإدارة أن أي مؤسسة يكون هيكلها الوظيفي متضخماً، أي عندما يكون فيها ما نسميه في مصر: “بطالة مقنـَّعة” تنشأ بين موظفي مشاعر كراهية غير مبررة تجاه زملائهم… فقط بسبب الزحام!

وبالعودة إلى دروس الإبادة في رواندا يلفت النظر بشدة أن “الكذب الجماعي” الذي مارسه الإعلام (وبالمناسبة كان إعلاماً مستقلاً من الناحية الشكلية لكن كانت يسيطر عليه تنظيم سري محكم اسمه: أكازو)، هذا الكذب الجماعي، خلق استعداداً نفسياً كبيراً لدى فئة للتخلص من الأخرى، حيث أصبح هناك تنميط لعبت “الصورة” دوراً كبيراً فيه – مع أمية واسعة – بحيث أصبح الراديو والتلفزيون السيلة الوحيدة لمعرفة “الذات” و”الآخر”.

وقد أصبح هناك حالة من الضيق الشديد – غير المبرر طبعاً – بكل ما يمكن أن يهدم الرواية الكاذبة “الشائعة”. وهذا الإحساس العميق بالكراهية والألم قد لا يستطيع البعض تخيله، لكن يكفي هنا أن أستعيد ما قاله برنار كوشنير وزير خارجية فرنسا السابق عن الهولوكوست الرواندي: “إنني لم أستطع فهم الهولوكوست النازي إلا عندما رأيت الهولوكوست الرواندي”.!

والعبرة المهمة من كلام كوشنير أن بعض الظواهر – وبخاصة في العلوم الإنسانية – يصعب على كثيرين استيعابها ما لم يروها بأعينهم، وتلك أخطر عيوب الثقافة المادية التي لا تؤمن إلا بما تدركه الحواس، وللأسف فإن الثقافة المصرية المعاصرة هي مادية ثقافة بامتياز!

وتكرار الأكاذيب بحق فئة – أي فئة – عرقية أو دينية أو مذهبية أو إثنية أو سياسية يخلق استعداداً نفسياً لدى مستهلكي هذه الأكاذيب لإبادة هذه الفئة، أو على الأقل، التسامح مع إبادتها أو قمعها. وهنا أدعو إلى قراءة الرسالة التي نشرها الكاتب علاء الأسواني في مقاله في جريدة المصري اليوم منذ أيام تحت عنوان: “من أحد العملاء”. وهي رسالة من أحد شباب الثورة يعبر فيها عن إحساس عميق بالصدمة من موقف شريحة واسعة من عامة الناس يتهمونه وأمثاله بالعمالة والخيانة!

والمجتمعات التي تبني رؤيتها للذات والعالم والآخر على الأكاذيب تكون مرشحة لأن تشهد حالات من القتل الجماعي والاستعداد لخيار “السحق”، والخطر هنا هو على مستقبلنا قبل أن يكون جماعة أو فئة أياً كانت، وتكرار الكذب الجماعي يخلق مجتمعات “كارهة للحقيقة”، وهي مجتمعات يصفها من رصدوا الظاهرة وصكوا المصطلح بـ “مجتمعات الكراهية”!

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In تقارير ومقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

كيف يحتضن الإسلام غير المسلمين ؟

بحكم اهتمامي بقضايا مقاومة الفتنة والإنقسام جاءنى هذا السؤال الهام والعميق من بعض الشباب ا…