الرئيسية صدى الأحداث العربي فى المخيال التركي.. كيف يمكن ترميم الصورة؟

العربي فى المخيال التركي.. كيف يمكن ترميم الصورة؟

1 ثانية
0
0
285

ياسر الغرباوي

الاهتمام التركي المتزايد بتوثيق العلاقات مع العالم العربي والإسلامي عبر العديد من الوسائط السياسية والاقتصادية والإعلامية والشعبية، يستدعي اهتمامًا من النخبة العربية السياسية والثقافية على كافة المستويات، وخاصة تلك التى تعتبر أنَّ هذا الاهتمام التركي بالشأن العربي داعم لها ضد الهيمنة الإسرائيلية والإيرانية على مقدَّرات المنطقة العربية، فهل ستبادر النخبة العربية بتثمين هذه الفرصة التاريخية للتقارب مع تركيا ومن خلفها الشعوب المُتحدِّثة باللغة التركية التى تمتد من الصين شرقًا إلى أوربا الشرقية غربًا، ومن بلاد القرم شمالًا وحتى سواحل البحر الأبيض المتوسط الشمالية جنوبًا؟

الجغرافيا السياسية الشعبية

من المعروف أن الجغرافيا السياسية هي إحدى الأدوات الهامة للأنظمة والحكومات، التي تسعي من خلالها نحو بناء علاقات إستراتيجية مع الدول والتكتلات الإقليمية، والتي من المفترض أن تعود بالنفع والفائدة السياسية والاقتصادية عليها وعلى شعوبها، وهذا مسار طويل، يحتاج إلى إدارة قوية من السلطة الحاكمة وتوفُّر رؤية جيوستراتيجية للدولة والوطن، ولكن هناك مسارًا آخر يمكن للمجتمع أن يسلكه من أجل بناء شراكة إستراتيجية مع مجتمع آخر فى دولة خارج حدوده، ويُطلق عليه الخبراء مصطلح الجغرافيا السياسية الشعبية، ومن خلالها يمكن للنخبة العربية بكافة فئاتها وتصنيفاتها أن تأخذ بزمام المبادرة، بالانفتاح على الساحة التركية الرسمية والشعبية عبر الوسائل التواصلية والعلاقات الاقتصادية والإعلامية، من خلال  ثلاث مساحات هامة، هي:

المساحة الأولى : معالجة المناهج الدراسية

وهدف هذه المساحة الرئيس هو محاربة الصورة النمطية التي تجعل العربي في نظر المناهج الدراسية التركية خائن؛ لأنه تعاون مع الإنجليز ضد الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وبالمثل محاربة صورة التركي في المناهج العربية التي تجعله المستعمر الذي أذلَّ العرب، وساهم في تخلُّفهم وعزلهم عن ساحة التقدُّم والحضارة، فالعديد من مناهج التاريخ العربية والتركية ترسخ هذه الصور الذهنية السلبية المتبادلة بين الشعوب العربية من جهة والأتراك من جهة، ويمكن مراجعة دارسة الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو عن كتب التاريخ المصرية والتي شملت 12 كتابًا مدرسيًّا للمراحل الإعدادية والثانوية عن التاريخ العثماني، طبعت بين الفترة 1912 و1980م، ودارسة الباحث العربي إبراهيم الداقوقي عن المناهج التركية في الفترة بين 1931 و1990م.

من أجل الحصول على علاقة تركية / عربية متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل، فلا بد من وجود مشاريع ثقافية متبادلة تشمل: تعلُّم العرب للغة التركية والأتراك للغة العربية، وترجمة الكتب، وإصدار البحوث

المساحة الثانية : مجال الإعلام

يمكن للإعلام العربي أن يلعب دورًا هامًّا في هذه المساحة عن طريق تعريف الشعب التركي بالعالم العربي، فإذا أرادت النخبة العربية بناء علاقة إستراتيجية متَّزنة ودائمة مع المجتمع التركي، فلا بد من توفُّر منصَّات إعلامية عربية ناطق باللغة التركية، تُعرِّف الأتراك بالشخصية الثقافية للعرب، وتركِّز على المُشترك الحضارى بين الثقافة التركية والعربية في مجالات الفن والموسيقا والعادات والتقاليد، فعدد الناطقين باللغة التركية قرابة:  200 مليون نسمة.

 

ومن أجل الحصول على علاقة تركية / عربية متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل، فلا بد من وجود مشاريع ثقافية متبادلة تشمل: تعلُّم العرب للغة التركية والأتراك للغة العربية، وترجمة الكتب، وإصدار البحوث، وتكوين جمعيات الصداقة الشبابية العربية / التركية، وأيضًا مشاريع الإنتاج الفني والإعلامي المشترك… إلى أخر أمثال هذه المشاريع التي تدفع في اتجاه تعظيم الفائدة من القدرات الشعبية التركية العربية. وفي هذا الإطار تأتي الجمعية التركية العربية للعلوم والثقافة والفنون التي تأسست في ثاني أبريل سنة 2008م، منظمةً أهلية غير ربحية، باعتبارها نافذة مجتمعية مدنية تركية للتواصل مع النخب الثقافية العربية.

المساحة الثالثة: عالم الاقتصاد

تركيا تمتلك قدرات اقتصادية هائلة بعد أن أصبح الاقتصاد التركي في المرتبة الـ13 عالميًّا – وفقًا لتعادل القوة الشرائية – والنخبة الاقتصادية العربية تمتلك روؤس أموال طائلة تبحث عن مجالات استثمار وأسواق وخبرات نوعية فى بناء المشاريع والشركات، لذلك من المفيد بناء الشراكات بين رجال الأعمال العرب والأتراك، وتشكيل الجمعيات الاقتصادية، والمعارض التي تعرض الفرص المتاحة للجانبين… إلى آخر تلك الفعاليات الاقتصادية الهامة.

 

هذه ثلاث مساحات يمكن لكل من المجتمع المدني العربي والتركي أن يسرعا الخُطى فيها بعيدًا عن تعقيدات الموقف العربي الرسمي، وتقلُّبات الموقف السياسي التركي الذي يتشكَّل وفقًا لتوجهات الأحزاب التركية المتنافسة على السلطة، والعمل في هذه المساحات بالتأكيد على المدى البعيد، سيمثل رأس جسر لتحالف عربي / تركي قوي يعود بالنفع والخير على العالمين التركي والعربي، ومن ثَمَّ على الفضاء الإسلامي الأوسع.

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In صدى الأحداث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

كيف يحتضن الإسلام غير المسلمين ؟

بحكم اهتمامي بقضايا مقاومة الفتنة والإنقسام جاءنى هذا السؤال الهام والعميق من بعض الشباب ا…