الرئيسية دراسات وأبحاث الطائفية قبل وبعد الثورة المصرية

الطائفية قبل وبعد الثورة المصرية

43 ثانية
0
0
779

 

الطائفية قبل وبعد الثورة المصرية

هاني نسيرة

 

 

 

يمكن تعريف الطائفية بأنها حالة احتقان ولا تسامح بين الطوائف داخل المجتمع، تنبع أساسا من دائرة الإيمان الديني، ينتج حالة استعلاء أو إحباط طائفي، وقد توجد بالقوة كمشاعر سلبية وإقصائية، كما قد توجد بالفعل في عدد من الممارسات المنظمة والصدامات العفوية. وهذه الصدامات العفوية هي الأخطر حيث تبدأ شراراتها بسيطة ثم تشتعل لتتحول إلى حدث عام دون إنذار، وهو ما شهدته وتشهده مصر في هذه الفترة، حيث تشتعل الطائفية اجتماعيا وعلى مستوى الشعب ومكوناته “تحتيا” بينما تتوافق النخب السياسية –ومنها التيارات الإسلامية “المتهم بعضها” في إحداث هذه الطائفية- حول أهداف الثورة والمشاركة والتعايش “فوقيا”.

من هنا تأتي أهمية التعاطي العميق والإبداعي مع المشاكل المزمنة كالمشكل الطائفي في المراحل الانتقالية بالخصوص، وضرورة استعادة هيبة الدولة وضبط الحد الفاصل الرقيق والدقيق بين الحوار المجتمعي والسياسي وفوضاهما وهو ما يقع على مسئولية النخب المدنية والسياسي

الطائفية.. أسسها الاستمعار وكرستها ثورة يوليو:

في الحالة المصرية بدأت أولى النزوعات الطائفية ثقافيا وسياسيا مع محاولات الاحتلال الإنجليزي اللعب على وتر حماية الأقلية المسيحية في مصر، وما رافق ذلك من صعود الإحساس بالهوية القبطية، كسلالة باقية للفرعونية(1)، وذلك في العقدين الأولين من القرن الماضي، مع أخنوخ فارس وميخائيل عبد السيد صاحب جريدة مصر، وهو ما اتضح وزاد من أواره مقتل المحسن القبطي بطرس باشا غالي في 21 فبراير/ شباط 1910 على يد الطالب إبراهيم الورداني، بدافع سياسي وليس دينيا، حيث قتله بتهمة الخيانة بعد توقيعه على اتفاقية السودان سنة 1906 التي سمحت بالإدارة الإنجليزية للإقليم الجنوبي، ومشاركته في محاكمات دنشواي مندوبا عن وزارة الحقانية حينئذ!

ونظرا لأيادي بطرس باشا البيضاء على طائفته، حيث كان أول من أسس المدارس القبطية ووقف الأوقاف الكثيرة على البابوية، كما أسس الجمعيات والمشافي وغيرها، ثارت من أجله ثائرة محبيه من طائفته، وكادت الوحدة الوطنية المصرية تنشطر خاصة بعد انعقاد المؤتمر القبطي الأول سنة 1911 قامت النخبة المصرية من رجالات حزب الأمة بالتوافق وإصلاح ما فسد في المؤتمر المصري بنفس العام وحل هذه الأزمة العميقة حينئذ! وتهميش رؤى المتطرفين من الجانبين(2).

أسست ثورة 1919 للوحدة الوطنية، بين عنصري الأمة المصرية، دون اندماجها كما يتجلى في شعاراتها “الهلال مع الصليب” فكان عهدها أقل توترا طائفيا من العهد الثوري الذي بدأ مع ثورة الضباط في يوليو/ تموز 1952، التي أسست لشمولية سياسية أزاحت الحيوية السياسية والمجتمعية وحبستها جميعا في أسوار شموليتها.

ونظرا لهيمنة النخبة المعسكرة على إدارة البلاد بعد ثورة يوليو/ تموز 1952 وكون قيادات الجيش من غير المسيحيين، مما أدى لشعور مسيحي بالإقصاء من النظام السياسي، الذي لم يكن بعيدا عن النظام السياسي ما قبل هذه الثورة، فقد تولى أقباط رئاسة الوزراء ووزارات سيادية وزعامات حزبية وغير ذلك. كما لجأت حكومات الثورة- منذ عهد عبد الناصر- إلى تعيين عشرة من أعضاء مجلس الأمة، كانوا يختارون من بين المسيحيين، كما تم اللجوء إلى تعيين بعض المسئولين من التكنوقراط المسيحيين في الوظائف الكبيرة، بالإضافة إلى تحديد نسبة للمسيحيين في الكليات العسكرية وفي كلية الشرطة. وبهذا يكون النظام الناصري قد أرسي دعائم المحاصة الطائفية السياسية غير الدستورية والتي لا نزال نعيش تطبيقاتها حتى الآن وقد تصل عبثيتها في توزيع المناصب على الطوائف إلى درجة تخصيص بعض الوزارات بشكل شبه دائم للمسيحيين مثل وزارة الهجرة أو وزارة البيئة(3) وهو تقليد سار عليه السادات ومبارك فيما بعد… وفي حين أسس عبد الناصر للتمييز الطائفي والجمود السياسي جاء عهد السادات ومبارك لينشطا الاشتباك والفتنة الطائفية بامتياز!

عهد السادات.. تشكل الخطاب الطائفي

بينما اتسم عصر عبد الناصر بقوة القبضة الأمنية، وبالنشاط الأيديولوجي الفاعل، جاء عصر السادات وتحولاته الانفتاحية والدينية، التي تزامنت مع تولى البابا القوى شنودة الثالث كرسي الكرازة المرقسية وزعامة الكنيسة الأرثوذكسية، كما نشطت منذ أواخر الثمانينيات جماعات أقباط المهجر، وكرست المطالب الطائفية في مصر وأججتها، وهو ما فتح الباب على مصراعيه لاحتقان طائفي متزايد، زادت منه الجماعات الإسلامية الجهادية ولعبت بورقته أثناء صدامها مع نظام مبارك فيما بعد.

 

وكانت كبرى الأحداث الطائفية في بداية عهد السادات هي أحداث الخانكة في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني 1972 والتي بدأت بخلاف حول تحويل جمعية قبطية لكنيسة في هذه المنطقة.

تشكلت على إثر ذلك لجنة برئاسة الدكتور جمال العطيفي وكيل مجلس الشعب حينئذ وتم إعداد تقرير شهير حول الاحتقان الطائفي المكبوت القابل للتفجير في أي لحظة وضرورة معالجته ووضعت توصيات من أجل ذلك(4).

لم ينتبه أحد لتلك التوصيات المهمة حتى وقعت أحداث الزاوية الحمراء في 16 يونيو/ حزيران 1981 والتي تعامل معها الرئيس السادات باستخفاف ووصفها بأنها لا تتجاوز مشكلة تجفيف ملابس.

عهد مبارك.. نحو التأزم الطائفي

كان المعدل السنوي لحوادث العنف في مصر حتى يناير /كانون الثاني 2010 يبلغ 53 حادثا ذا صبغة طائفية سنويا، أي بمعدل حادث كل أسبوع، توزعت بين 17 محافظة من أصل 29 محافظة مصرية، وتراوحت بين حادث واحد مثل محافظة الشرقية وبين 21 حادثا في محافظة المنيا(5).

وعلى مستوى الممارسة السياسية استمر نظام مبارك في اتباع نفس سياسات الأنظمة التي سبقته فيما يتعلق بالطائفية مستخدما أسلوب “ترضية للنخب القبطية”، وذلك عبر بعض التعيينات في المجالس البرلمانية فضلا عن الزيارات الاحتفالية. وترك نظام مبارك القضية دون معالجة فعلية لا لمشكل الطائفية ولا لإشكال المواطنة، بل تورط في أخطاء لا زالت آثارها موجودة بعد رحيله، منها غيبة الحسم التشريعي وهشاشة في السمألة وتكريس تراخي دور الدولة، بل إن أمن الدولة هو من فجر مشكلة كبيرة كأحداث الكشح الأولى والثانية، كما تولى إدارة مشكلة المتحولين دينيا التي استمرت بعض حلقاتها بعد الثورة.

وقد تعددت أنماط العنف الطائفي في عصر مبارك:

النمط الأول: حوادث العنف الجماعي.

النمط الثاني: مرتبط بممارسة المسيحيين لشعائرهم الجماعية.

النمط الثالث: استهداف الكنائس: وخاصة في المناطق والقرى ذات الأغلبية المسلمة والتي تفاجأ ببناء كنيسة دون إنذار مسبق لهم في ظل أزمة الترخيص وبناء دور العبادة، وقد شهدت منطقة العمرانية بالجيزة أحداثا بهذا الخصوص في ديسمبر /كانون الأول 2010 بعد محاولات السلطات منع بناء كنيسة لم يرخص لها، كما تم حرق كنيسة العذراء في إمبابة من قبل بعض العامة عام 2011 أثناء أحداث إمبابة.

النمط الرابع: القتل العمد على أساس الهوية الدينية: ويكثر هذا النمط في حالات التحول الديني، وقد لوحظ توجه المسيحيين له في السنتين الأخيرين فقد قتلت أسرة مسيحية ابنتها التي تحولت إلى الإسلام عام 2010 وقتل معها زوجها وطفلها في منطقة عين شمس بوسط القاهرة العام الماضي، وتكرر الأمر في أبريل /نيسان من العام الحالي بنفس الشكل(6).

ورغم ارتفاع نسب الحوادث الطائفية في العقدين الأخيرين من عهد مبارك فإن نظامه ظل يستخدم حجج التهوين والإنكار لحقيقة لاحتقان الطائفي الماثلة للعيان، رغم أنه كان الأكثر تأزما طائفيا على مختلف المستويات.

شهد هذا العهد استهداف الأقباط بشكل منظم من قبل جماعات العنف الديني الإسلامية طوال عقد التسعينيات، خصوصا قبل مراجعات بعض هذه الجماعات لموافقها سنة 1997، فقد أصبح الأقباط هدفا من أجل إجبار النظام علي الرضوخ لطلباتها، وخاصة في محافظات المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا بصعيد مصر. ووصل الأمر حد تطبيق الحدود على بعض الأقباط في مسجد الرحمن بأرض المولد بالمنيا، علي مرأى ومسمع من أجهزة الأمن من تعليق الرؤوس علي أعمدة الإنارة بعد عمليات القتل، كما حدث بين عامي 1992 و1994 في أبوقرقاص بالمنيا. وفي هذه المرحلة فقط بلغ عدد قتلى الأقباط على أيدي الجماعة الإسلامية أكثر من مائة قتيل في حوادث متفرقة. وظل الأمن كعادته يصف هذه الحوادث المنظمة بأنها حوادث فردية، يقوم بها بعض الموتورين غير صحيحي العقيدة، ووصل الأمر بمدير أمن أسيوط حينئذ أن وصف مذبحة عزبة قبطية في فبراير /شباط 1996 راح ضحيتها ثمانية الأقباط بحادث عشوائي! كما لم يستخدم النظام السابق سيف الطوارئ الذي سلطه علي رقاب السياسيين والصحفيين في مواجهة هذه الأزمات الطائفية(7).

ولأن الطائفية أعمق حتى من عنف الجماعات الدينية فبعد عام فقط من انطلاق مراجعات الجماعة الإسلامية، وقعت أحداث الكشح الأولى في 15 أغسطس /آب 1998 ثم تلتها أحداث الكشح الثانية في 31 ديسمبر /كانون الأول 1999.

استمر التوتر طوال عهد مبارك فتراكمت مشاكل دينية قديمة وجديدة مثل ترخيص بناء دور العبادة للمسيحيين، وقضايا التحول الديني التي تصاعدت في العامين الأخيرين، سواء وقع التحول للإسلام أو عنه، فضلا عن تفاقم مشكل بعض الطوائف الأخرى كقضايا البهائيين والتبشير الشيعي وغير ذلك من قضايا(8).

لم ينتبه نظام مبارك للسياق الإقليمي والدولي الصاعد حول مسألة الحريات والإصلاح السياسي وقضايا الأقليات، بعد حرب العراق عام 2003، وهو السياق الذي تزامن مع ثورة الفضائيات العربية (قناة الجزيرة- قناة العربية- برامج التوك شو السجالية) التي جعلت ما كان يمر بهدوء في السابق موضوعا ساخنا وخبرا إعلاميا يسكن أو يحرك الجدل العام والخاص في الآن نفسه، وهو ما لم يعد قاصرا على الإعلام فقط ولكن صار جزءا من ثوابت الخطاب السياسي للقوى السياسية المختلفة. وظل نظام مبارك مكتفيا بسماع مستشاريه ومهتما بالتركيز على موضوع التوريث التي أودت به وبوريثه.

لم ينتبه النظام السياسي لهذا الفوران الاجتماعي والديني بفعل الثورة الاتصالية والإعلامية، التي جعلت هذه الأحداث المتباعدة متلاقية ومجسدة أمام نظر المشاهدين في كل أنحاء مصر والعالم، وهو ما لم تكن مصر فيه استثناء بل كانت جزءا من حراك عربي وإقليمي فتم الدفع بمسألة التنوع المجتمعي (الطائفي والديني والمذهبي والعرقي)(9) وكانت الأنظمة- ولا زال بعضها- هو الاستثناء في ذلك، إذ ظلت بعيدة عن سماع استحقاقات الشعوب أو الاستجابة لها.

إلا أننا نلاحظ على هذا الجدل -في كثير من الأحيان- سمتين تفقدانه المعنى والقدرة البناءة على الانتقال النوعي سواء على مستوى النظر أو مستوى الواقع، وهما:

أولا: غلبة السجال وعدم تطوير المواقف بنيويا وإن تطورت ظاهريا، ونقصد بالتطوير البنيوي تطوير النصوص التشريعية، وإشاعة خطاب ثقافي يعزز مفهوم المواطنة بدل الانتماء الطائفي الضيق…

ثانيا: فوران وصعود العنف العملي والرمزي عبر خطابات التكفير الوطني والسياسي والطائفي، والذي تجسده مطالب المحاصة وهشاشة مقولة الوطن والدولة الوطنية الناتج عن الهشاشة الراسخة لمقولة المواطنة ذاتها في مقابل لا شعورية سائدة لدى الأقليات بمفهوم الرعايا لا المواطنين، مما يجعل التنوع نذيرا بالصدام المتوقع في بلدان عربية عديدة.

وهاتان السمتان هما السوءتان اللتان يقع عبء تطويرهما على النخب والقوى السياسية قبل الأنظمة بعد نجاح الثورات وقبلها، فليس كافيا أن تنشط الاجتماعات بين ممثلين للأقباط وممثلين للإخوان المسلمين في مصر، أو أن تتبرأ الدعوة السلفية المصرية مما نسب إليها بعد الثورة من أحداث ولكن المطلوب أن تنتج هذه القوى خطابا وقائيا وتحصينا يستبقها ويمنعها!

وقد تبدى الفشل الذريع لإدارة الملف الطائفي من قبل نظام الرئيس المخلوع سواء في تهوينه وإنكاره له صدا لإمكانيات التدخل الأجنبي ولمركزية الإدارة الأمنية في إدارة الملف الطائفي بعموم، أو تقديم التنازلات لطرف دون الطرف الآخر، كما تجلى في تسليم أجهزته وفاء قسطنطين سنة 2008 أو كاميليا شحاتة زاخر سنة 2010 للكنيسة، وهو ما آثار الجماهير المسلمة بشكل كبير، وخرجت من أجله المظاهرات الكبرى في وسط القاهرة- قبل وبعد الثورة- ورفضه عدد من المثقفين المسيحيين في الآن نفسه، إقرارا لمبدأ حرية الاعتقاد والتعبير.

وظل وكعادته غير مهتم بالنداءات وبأطروحات النخب لحل هذا المشكل، منذ تقرير جمال العطفي إلى نداءات منظمات المجتمع المدني الناشطة والصاعدة، ومعلوم أن اختفاء سيدة مسيحية أو مسلمة أو أي صدام صغير أو كبير بين أفراد عاديين يهدد بأزمة طائفية(10)، لعل بعض آثارها ما نشاهده بعد الثورة.

 

ثورة 25 يناير.. أي مستقبل للطائفية في مصر؟

تجاوزت الثورة المصرية في 25 يناير /كانون الثاني 2011 شعار ثورة 1919″ الهلال مع الصليب” مؤكدة على مقولة “مصريين بلا تمييز أو تمايز”، وهو ما تجلى منذ بداية الثورة، وطوال ثمانية عشر يوما التي انتهت بتخلي محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 فبراير /شباط الماضي، وبدء المرحلة الانتقالية بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

كانت الثورة شعبية بامتياز بدأها بعض المتشبهين بمحمد بوعزيزي بتونس، أحرق أحدهم نفسه أمام البرلمان المصري يوم 18 يناير /كانون الثاني، ثم كانت الدعوة على الفيسبوك للتظاهر في 25 يناير /كانون الثاني، وبعد تردد شاركت فيها مختلف القوى السياسية الشبابية المحظورة، وشباب الأحزاب التقليدية، وكانت المليونيات الشعبية التي انضمت لها مختلف فئات وطبقات الشعب المصري، التي أجبرت على الديكتاتور على الانسحاب من أمامها في 11 فبراير /شباط الماضي.

لم يكن هنالك تمايز بين شباب الأقباط وبين غيرهم، وقد سقط على الساحة ما يفوق عشرة شهداء أقباط في مختلف أنحاء مصر، منهم خمسة فقط في ميدان التحرير من بينهم فتاة(11) كما شكلت الثورة إجماعا وطنيا، وشمل هذا الإجماع أقباط المهجر بل وأكثرهم تعصبا من نزعت منهم الجنسية مؤخرا، كان الجميع مع الثورة، حتى بروز السلفيين والتمايز الديني العلماني بعد التعديلات الدستورية والانفلات الأمني والإعلامي الذي ساعد على تأجيج الحوادث الطائفية دون معالجتها.

طوال فترة الثمانية عشر يوما -أثناء ثورة يناير- لم تكن هناك مشكلة في العلاقات بين المسيحيين والمسلمين، وتواكب مع ما سبق، البروز المجتمعي والسياسي والإعلامي لتيارات الإسلام السياسي، بدءا بالإخوان المسلمين مرورا بالسلفيين ثم الجماعات الجهادية التي خرج عدد كبير من قادتها من السجون. وكرر الجميع متابعة الإخوان في التعاطي مع العمل السياسي كسبيل للتغيير، لم يرافقه تطوير في خطابها السياسي والفكري، أو على الأقل لم يرق لمستوى الخطاب السياسي للإخوان، فكان حديث بعضهم عن غزوة الصناديق واستعجال بعضهم الآخر تفجير قضايا شائكة ومحل اشتباك واشتباه شأن بعض قضايا المتحولين دينيا وغيرها.

لم يكد يمر شهر على الثورة حتى انفجرت العديد من الحوادث العفوية -غير المسيسة- التي فجرتها مشاعر غضب اجتماعي عنيف مثل حوادث شرف في قرية صول، أو إشاعة احتجاز مسيحية أخرى أسلمت بعد كاميليا شحاته، التي ظهرت على قناة مسيحية قبل أحداث إمبابة بيوم معلنة بقاءها على مسيحيتها.

تواترت حوادث التوتر الطائفي والعنف ضد المسيحيين وضد بعض المسلمين على السواء، ففي 25 أبريل /نيسان قتل ثلاثة أشقاء مسيحيين شقيقتهم -التي تحولت للإسلام- مع طفلها في منطقة كرداسة بالجيزة(12) ولكن كانت الحوادث ضد المسيحيين هي الغالبة.

فقد شهد شهر مارس /آذار وحده ثلاثة أحداث طائفية كبيرة، بعضها غير مسبوق، هي على الترتيب هدم كنيسة صول التابعة لمركز أطفيح بمحافظة الجيزة في 9 مارس /آذار، وقتل وتدمير وتخريب في المقطم في 11 مارس /آذار، قطع أذن قبطي متهم بإدارة أعمال منافية للآداب في محافظة قنا في 24 مارس /آذار، وفي منتصف أبريل /نيسان خرجت مظاهرات في نفس المحافظة (قنا) اعتراضا على تعيين محافظ مسيحي جديد للمحافظة الواقعة في صعيد مصر، وهو ما اضطر الحكومة الانتقالية والمجلس الأعلى للقوات المسلحة للاستجابة لمطالبهم في النهاية.

وفي 8 مايو /أيار كانت أحداث إمبابة المروعة في كنيسة مارمينا، والتي راح ضحيتها عدد كبير من المواطنين وأصيب العشرات، وقد كان من نتائج ذلك -وخاصة الحادث الأخير- امتعاض العديد من الأقباط من الوضع القائم، كما تجلى في بعض هتافاتهم بعد هذه الأحداث “يا مبارك فينك فينك، السلفيين بينا وبينك”، “يسرقنا يسرقنا بس نعيش في أمن وأمان” أمام القضاء العالي وميدان التحرير وماسبيرو، وهو ما فسره البعض بأن “الكنيسة المصرية موضع عناية خاصة ومميزة من جانب مبارك وزمرته، وكان كافة المسئولين المصريين يسارعون بتقديم فروض الطاعة والمحبة للبابا شنودة ورعيته”، كما ازدادت الهواجس بالشعور بالخطر من صعود تيارات الإسلام السياسي وملئها المشهد كما تجلى بعد معركة التعديلات الدستورية في 19 مارس /آذار الماضي(13). بل توزعت التفسيرات عن دور لدول أجنبية وإسرائيل خصوصا في الأحداث الطائفية، وكذلك تم الحديث عن دور لدول عربية شقيقة تسعى لإجهاض الثورة المصرية، وذهب عدد كبير من النخبة المصرية في تحميل فلول النظام السابق إحداث الفتنة، وأن الطائفية من صناعة ذلك النظام! كما يرى بعض الإسلاميين أن الإعلام القبطي الصاعد في مصر، بعد تملك بعض رجال الأعمال الأقباط لعدد من وسائل الإعلام المهمة والمقروءة في مصر له دور فيما حصل(14).

وهذه التفسيرات التشكيكية في موقف الأقباط من الثورة، أو التفكير التآمري وربط ما حدث بأيد خارجية أو داخلية لا يحل المشكلة، كما لا يملك أدنى مقبولية. ولعل المطلوب هو الضغط الشعبي من أجل حل مدني، وحل مشكل دور العبادة وحرية الاعتقاد في المجتمع المصري وهو ما تسبب في هذه الاحتقانات، فضلا عن رفض وصاية رجال الدين -مسلمين ومسيحيين- على عقائد رعاياهم.

إن ضبط الانفلات الإعلامي الباحث باستمرار عن الإثارة مسألة ضرورية، والطروحات غير المسئولة في هذا الظرف الدقيق للثورة، وكذلك أصبح إصلاح الجهاز الأمني أولوية قصوى يجب تقديمها والعمل عليها بأسرع وقت، فلم تعد عشوائية العنف سمة العلاقة بين الأقباط والمسلمين فقط، بل في أدنى خلافات اجتماعية عديدة بين العائلات وبين التجار في العديد من محافظات مصر.

الفرز السياسي.. الديني في مواجهة العلماني

إن عودة الاستقطاب الديني العلماني، والفرز الذي تم بعد يوم 19 مارس /آذار وتأكد مع جمعة الغضب الثانية يوم 27 مايو /أيار حيث لم يشارك الإخوان ولا سائر الجماعات الإسلامية السلفية، مع ما مصاحب ذلك من نشاط إعلامي سجالي جعل من الميدان حكما للشعب في وجه السلطة والحكومة الانتقالية التي تتباعد الشقة بينها وبين قوى الثورة وشبابها في الآن نفسه، نتيجة ما رأته الأخيرة تباطؤا أو تواطؤا مع رموز النظام السابق -أسرة مبارك- أو ما يسري من هواجس حول عقد اتفاق سري مع الإخوان المسلمين يقصي الآخرين، وهو ما ساعد على توتر الملف القبطي بعموم، رغم أن ثمة فرصة ذهبية للأقباط للمشاركة بدأها بعض ناشطيهم ولكن لا زال البعض الآخر -شأن أغلب شباب الثورة- مترددا في خوضها، فهنا العلمانيون والأقباط في جهة واحدة من التخوف من الصعود الإسلامي والسلفي.

وهنا تحضر أزمة القراءة في عدم التفريق بين روح الثورة ومسار العمل الأساسي بعد نجاحها، فقد استمرت روح الثورة تتلبس البعض مصرين على الثورة الدائمة سواء من أجل محاكمات النظام السابق أو اعتراضا على بعض قرارات المجلس الانتقالي، دون التركيز على بناء الدولة ومسارات العمل السياسي أو الانتخابات المزمعة، فبدأ الخوف من قوة الإخوان الذين دأبوا منذ عصر مبارك على اتخاذ مواقف مستقلة عن القوى السياسية الأخرى، وكان موقفهم الأوضح من التعديلات الدستورية ومعهم سائر الإسلاميين، ثم زاد الخطر مع البروز الإعلامي لقادة الجماعة الإسلامية، وبخاصة عبود وطارق الزمر، ثم صعود التيار السلفي الذي يصر على إسلامية الثورة رغم عدم مشاركته السابقة فيها، ويتخذ ممثلوه من قضية التحول الديني قضية رئيسية لتظاهراتهم، ويتخذ مواقف عنيفة -رمزيا على الأقل- تجاه المسألة القبطية والمسيحية بعموم، وهو ما سنوضحه.

 

فبينما يرسل الإخوان الرسائل المطمئنة للأقباط والعلمانيين عبر شعارات من قبيل “المشاركة لا المغالبة”، وفتح قنوات حوار جديدة مع المسيحيين، سبق أن قامت بمثيلات لها سنة 1991، وعقد مركز “سواسية لحقوق الإنسان” -القريب من الجماعة- ورشة عمل بعنوان “الأقباط والصعود السياسي للإخوان المسلمين”(15) كان يتجه نفس التوجه، وهذا التوجس لا ينحصر في الأقباط بل يمتد لكل دعاة الدولة المدنية والمتخوفين من سيطرة الإخوان على البرلمان القادم -في ظل دعوة برنامجهم لنظام برلماني- وصياغتهم لدستور يضر بحقوق مواطنة ومدنية الدولة، وهو تخوف يشمل كذلك بعض من يشاركون الإخوان بعض التوجهات والمواقف (الموقف من التعديلات الدستورية أو الموقف من الجيش) رغم اختلاف المرجعيات، ولكنهم يختلفون عن سواهم في تأكيدهم على أهمية القبول بنتائج العملية الانتخابية والتركيز على استعداد خوضها.

ويبقى السلفيون هم التحدي الأكبر في الشارع المصري للمسألة القبطية، نظرا لعنفهم الرمزي تجاه الكنيسة وسائر المطالب القبطية، ورغم تبرؤهم مما ينسب لهم إعلاميا من أحداث إلا أن خطابهم لا زال يراوح مكانه غير ممتلك بعضا من مرونة الإخوان المسلمين(16).

ولكن يلاحظ على أغلب الحوادث الطائفية التي حدثت بعد الثورة المصرية أنها حوادث اجتماعية وواردة رغم خطورتها وفداحتها نتيجة الانفلات الأمني والتحفز الشعبي العام للمواجهة في غيابه، وعدم شعور الجميع بالاستقرار السياسي أو نتائج الثورة بعده، وهذا الانفلات الأمني رغم أنه كان موجودا في عصر مبارك، إلا أنه كان أقل في بعض الأحيان، ولكنها هيبة الدولة المنتظرة بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، ومعها يمكن حل كثير من المشاكل العالقة في الملف الطائفي في مصر، وتغيب الحوادث العفوية الخطيرة التي حدثت، كما نأمل.

 

وفي الرصد الأولى يظل معدل الحوادث الطائفية بعد الثورة أقل منه قبلها خصوصا في عصر مبارك، ولكن الانفلات الأمني والإعلامي، وتوجس الخطر منذ معركة التعديلات الدستورية وصعود التيارات الإسلامية -بما فيها الجهادية- كل هذه المسببات يجعل منها خطرا جديرا بالانتباه قد يهدد الثورة ذاتها، ويوجب الانتقال السريع والمتزن من منطق الثورة الدائمة إلى منطق الدولة والاستقرار.

_______________

باحث وكاتب مصري

 

إحالات

1 – انتشرت في هذه الفترة أسماء فرعونية الأصل ك مينا ورمسيس وسط الأبناء الجدد تأكيدا على أن الأقباط المصريين هم السلالة الباقية للفراعنة، كما نشأت جرائد ك “مصر” و” الوطن” تلح على هذه التوجهات الصاعدة للهوية التي بدأت تعيد اكتشاف هويتها في ظل احتلال يلعب بورقتها وضعف عام لف العالم الإسلامي في هذه الفترة.

2 – انظر في تفاصيل ذلك طارق البشري، المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية، ط2 دار الشروق- القاهرة سنة 2005.

3 – انظر سامر سليمان، من الدين لله إلى الدين والدولة للجميع، مجلة البوصلة في 29-8-2006.

4 – عقدت هذه اللجنة أولى اجتماعاتها في 14 نوفمبر سنة 1972 ويمكن مراجعة التقرير- نسخة اليكترونية- على الرابط التالي: http://www.4shared.com/get/2hnWIr3x/___.html

5 – المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، العنف الطائفي في عامين، ماذا حدث ومن أين يبدأ؟ برنامج حرية الدين والمعتقد، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أبريل سنة 2010، ص 5

6 – المصدر السابق، العنف الطائفي في عامين، ص 7.

7 – راجع سلوى العوا، الجماعة الإسلامية المسلحة في مصر، ط مكتبة الشروق الدولية سنة 2007.

8 – انظر في ذلك دراستنا هاني نسيرة، المتحولون دينيا دراسة في ظاهرة تغيير الديانة والمذهب، ط1 القاهرة سنة 2009.

9 – انظر محمد السيد سعيد، تحولات الثقافة العربية من منظور حقوق الإنسان، مصدر سابق مذكور.

10 – المصدر السابق ص 5.

11 – انظر هذا الرابط على شبكة الإنترنت http://www.christian-dogma.com/vb/showthread.php?t=75267

12 –

13 – شريف عبد العزيز، التفسير السياسي للفتنة الطائفية بعد الثورة، موقع قصة الإسلام في 10 مايو سنة 2011.

14 – المصدر السابق.

15 – انظر في ذلك هاني لبيب، الإخوان المسلمون والأقباط، حوار مرتبك وشعار ملتبس، جريدة الحياة في 16 أبريل سنة 2011.

16 – انظر في ذلك مقالنا: السلفيون المصريون ينتقلون إلى الجهادية بعد أن دانوها وكفروها، جريدة الحياة في 27 مايو سنة 2011.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

 

 

عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In دراسات وأبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

قد يكون في الجحيم نافذة على الجنة

 هناك أنهار من الأشلاء والدماء والدموع والألم قدمتها الأمة الإسلامية في تاريخها القديم وال…