الرئيسية دراسات وأبحاث الخاص والعام في الانتفاضة الشعبية السورية الراهنة

الخاص والعام في الانتفاضة الشعبية السورية الراهنة

14 ثانية
0
0
934
الخاص والعام في الانتفاضة الشعبية السورية الراهنة*
2011/04/25

 

ينشد الشعب العربي السوري الحرية والكرامة، ويتوق إلى المواطنة وحقوق المواطن، حاله في ذلك حال الشعوب العربية كافة. ورغم وجود فوارق بين دولها على مستوى بنية الأنظمة، فإنها ليست الفوارق الرئيسة، بل يكمن الفرق الرئيس في تبلور هوية وطنية تسمح بفصل المجتمع عن الدولة أو عدم تبلورها، وغياب أو وجود جماعات أهلية ما زالت تجمع بينهما وتخترقهما عموديا. إن ما يصعّب الفصل بين الدولة والمجتمع هو الرابط نفسه الذي يصعّب فصل الدولة عن النظام [**]، وهو الفصل الذي مكّن من خروج المجتمعَيْن المصري والتونسي ـ باعتبارهما مجتمعين موحّدين ـ للمطالبة بإسقاط النظام، وهو ما مكّن الجيش من الامتناع عن الوقوف إلى جانب النظام في حرب ضدّ الشعب.

دخلت سوريا مرحلة الانتفاضة الشعبية، وبات لها أيضا مسمى تاريخي، ثورة 15 آذار/ مارس، إسوة بتلك التي سبقتها في تونس ومصر بداية العام، ومن بعدها في اليمن وليبيا. وعلى الرغم من أنها أظهرت قدرة على الانتشار والتوسع كما حصل في يوم الجمعة 15 نيسان/ أبريل، ويوم الجمعة 22 نيسان/ أبريل، فإنها لا تزال في بدايتها، وما زالت تثير أسئلة كثيرة حول المسارات التي ستتّخذها. وترتبط الإجابة عن هذه الأسئلة بالخصوصية السورية، ومستوى وعي الحركة الاجتماعية، وطريقة فعل أو رد فعل النظام السوري تجاهها، فضلا عن المواقف الدولية والإقليمية، وأمور أخرى متعلقة.

فهل ستسير سوريا مثلا على طريقة مصر في إصلاحات تقوم تحت ضغط الثورة الشعبية التي اتّخذت شكل احتجاجات شعبية سلمية متواصلة؟ وهل يضاف إليها رهان على أنّ رأس السلطة في سوريا قادر على القيام بها؟ أم أنها ستراوح مكانها مدةً أطول بين توازنات مجتمعية مختلفة كحال اليمن؟ وهل ستقدّم سوريا نموذجا آخرَ يغلب فيه منطق القوّة على منطق المساومة؟ أم أنّ الانتقال إلى الديمقراطية في سوريا لا بدّ أن يتخطى النظام كما هو قائم؟ فأحداث يوميْ الجمعة 15 و22 نيسان/ أبريل أظهرت أنّ طريق المساومة هو مجرد احتمال يشجّعه المحيطان الإقليمي والدولي، وأنّ النظام الحاكم ظلّ مُصرا على الخيار الأمني في قمع أعمال احتجاج شعبية سلمية. ولا تزال التساؤلات مطروحة وتستدعي النظر إلى الخصوصية السورية المحلية والإقليمية.

ويدور الحوار عمّا يجري في سوريا حول سؤالين يطرحهما النظام وإعلامه بطريقته الخاصة؛ أولهما: حول أهمية العامل الطائفي على ساحة الفعل السورية، وإمكانية استغلاله في مواجهة مضامين الاحتجاجات الشعبية من أجل الحرية والكرامة، وذلك في وضع قائم في المشرق العربي قد تفَعّل فيه الثورةُ الديموقراطية التي تجتاح الوطن العربي تبايناتٍ مجتمعيةً كامنة، عشائرية أو طائفية، لعبت الأنظمة العربية بعد الاستعمار دورا في تكريسها وفي استخدامها أحيانا. وثانيهما: حول ما إذا كان لاستدعاء نظريات المؤامرة ما يبرّره في وضع تتمايز فيه سوريا ضمن معادلات القوى الإقليمية، من خلال دعمها خيار المقاومة في لبنان وفلسطين، ومناهضتها مشاريع إمبريالية وإسرائيلية، وبتحالفها مع إيران أيضا. أمّا التساؤل الثالث الذي تطرحه هذه الورقة، فيخصّ مستقبل التغيير في سوريا واحتمالاته، على ضوء طبيعة السياسات المنتظرة من أصحاب القرار، وضمن حالة التحولات الإدراكية لدى الجمهور الفاعل بعد غياب مزمن للتفاعلات السياسية البنّاءة في الحيز العام.

حركة احتجاجية سلمية

لم تشذّ سوريا عن قاعدة سلميةِ الحركات الاحتجاجية، وهي سمة الانتفاضات العربية بشكل عام، على الرغم من أنّ الوضع السوري تميّز بقسوة المواجهة القمعية التي جرى اتّباعها في بداية الأحداث، وساهمت في تأجيجها وانتشارها، وما زالت تستخدم الرصاص الحيّ في قمع المظاهرات وتفريق التجمّعات والحشود. لقد كان الطابع السلمي الشعبي ماثلاً للعيان تماما مع بداية انتفاضة درعا شعبية الطابع، ثم عاد هذا الطابع السلمي والناضج للمظاهرات، وتجلى ـ من دون التباس ـ حين خفّفت السلطات من دموية قمعها للمحتجّين يوم “جمعة الإصرار” في 15 نيسان/ أبريل.

كان استنتاج النظام السوري العلني من ثورتي مصر وتونس أن موقف النظام من المقاومة يميزه عن النظامين في تونس ومصر ويجعله أقرب إلى الجماهير والرأي العام. ويبدو أنه بعد اندلاع الانتفاضة في درعا تبين أن استنتاج النظام السوري الرئيس هو أن النظامين الآفلين لم يستخدما ما يكفي من القوة في بداية الأحداث لوأدها.

بدأت حركة الاحتجاج بسوريا في 15 آذار/ مارس مع كسر نشطاء معارضين حاجز الخوف في أول بادرة لمظاهرات سياسية مباشرة في العاصمة ومدن أخرى للمطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين، ولم يكن ما سبقها من مظاهر احتجاج ذا طابع سياسي مباشر رغم أهميته؛ فتظاهرة 17 شباط/ فبراير جاءت رد فعل تضامنيا محليا على حادث اعتداء شرطي على بائع عربة في منطقة الحريقة بدمشق، وردّد المتظاهرون لأول مرة شعارا احتجاجيا تمثّل في “الشعب السوري ما بينذل”، أو الاعتصام الشّبابي في 22 شباط/ فبراير أمام السفارة الليبية في دمشق تضامنا مع الشعب الليبي، حيث عبّرت شعاراته المنادية بالحرية عن واقع غياب الحريات والممارسات الديمقراطية في سوريا، وليس في ليبيا وحدها.

لكن الحركة الاحتجاجية تطوّرت وبسرعة فائقة بعد الانتفاضة الشعبية في مدينة درعا بالطريقة العصبية والقمعية التي جُوبهت بها التظاهرات من رجال الأمن. إذ انطلقت أحداث درعا على خلفية اعتقال قوات الأمن السورية 15 صبيا بمدينة درعا في 6 آذار/ مارس ، ولم تكن أعمارهم تتجاوز 14 عاما؛ لأنهم كتبوا شعاراتٍ على الجدران كتلك التي رفعتها الثورة المصرية بعد 25 كانون الثاني/ يناير الماضي، مثل: “الشعب يريد إسقاط النظام”. وجاءت الاحتجاجات ردّ فعل لتعامل رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب والمحافظ فيصل كلثوم المهين مع وفد العشائر والأعيان الذي حاول التوسّط لإطلاق سراح الصبية. أمام هذا الواقع اكتسبت قضية اعتقال الصبية وطرد أعيان المدينة قيمة رمزية وعينية، كونها شكّلت حالة من الظلم والإهانة. لقد اتبعت السلطات الأمنية والمحلية الإذلال مع مجتمع لا تزال البنى التقليدية القديمة تلعب فيه دوراً مهما.

لم يقتصر رد الفعل الأمني على ذلك، بل استخدمت قوّات الأمن الرّصاص الحيّ في تفريق المتظاهرين الذين تجمّعوا أمام مقر المحافظة في 18 آذار/ مارس؛ ما أدّى إلى استشهاد عدد من المواطنين، وولّد ذلك حالة من الاحتقان الشعبي، وشكل المدخل لإنتاج حركة احتجاجية شعبية، وحافظ على هذه الحركة ذلك المركب من نشطاء سياسيين ونشطاء حقوق الإنسان ممن لديهم ثقافة وتصورات سياسية وتاريخ نضالي وبنى تقليدية أهلية تحمي أبناءها في الملمّات.

سلكت الحركة الاحتجاجية في سوريا المسار نفسه الذي سلكته الثورة التونسية تقريبا، فقد بدأت رد فعل جهويا شعبيا على حالة الظلم السياسي والاجتماعي، ونتيجة لتعاطي السلطات السلبي في امتصاص الأزمة، وامتدّت إلى مناطقَ عديدة في ريف دمشق وحمص واللاذقية وحماة؛ من ثم تبلورت بوصفها انتفاضة شعبية رفعت شعارات الحرية والإصلاح، دون أن تستهدف النظام ككل. ولكن الانتفاضة الشعبية توقفت عند أبواب دمشق وحلب، ولم تخترقها بقوة حتى الآن. فرغم أنّ الموقف السلبي من نظام الحكم في سوريا منتشر في هذه المدن بقوّة لا تقلّ عن النواحي الأخرى، يبدو أنّ بعض الفئات، ومنها الطبقة الوسطى، ما زالت مترددة لأنها غير مطمئنة للمستقبل.

ويمكن للباحث أن يرصد تشابها بين الحالة التونسية والسورية في بداية الاحتجاج، وتشابها في التفاوت البنيوي التنموي بين المحافظات والولايات بالدولتين، وكذلك ضيق نفوس المواطنين بالفساد، وبوليسية الدولة، وانسداد الأفق أمام الجيل الشاب في الحالتين ، ويتجلى التشابه ـ بشكل واضح ـ في الأشكال التي تمّ اتخاذها في بداية الاحتجاج. لكن التشابه سيتوقّف عند فروق كبيرة بين طبيعة النظامين والمجتمعين، وسنرى أن لهذه الفروق تأثيرا يفوق تأثير التشابه في تحديد مجريات الأحداث.

تطور المشهد السياسي مع المظاهرات الحاشدة التي عرفتها “جمعة الإصرار” في 15 نيسان/ أبريل على مستويين؛ أولهما: الاتساع الواضح للاحتجاجات، وشمولها النسبي في درعا واللاذقية وبانياس وحماه وغيرها، ووصولها إلى مدن لم تصلها سابقا في المناطق الكردية والجزيرة، كرّس الطابع الجماهيري للمظاهرات. وثانيهما: كان لنأْي السلطات عن استخدام العنف المباشر لمواجهتها في أكثر من مكان تأثير أحدث تغييرا في المشهد السياسي السوري، مبيّنا وجود احتمال لطريق آخر يمكن أن تسلكه السلطات ثوبٌ مختلف ارتدته سوريا “، حسب جريدة الأخبار، وهو “ثوب تظاهرات ارتدته استجابة لدعوات «جمعة الإصرار» التي خلت من أعمال العنف، باستثناء مدينتيْ حمص وشمال دمشق، حيث غابت صور القتلى والجرحى وسيّارات الإسعاف، وغلب على التظاهرات ذاك البعد الحضاري”.[1] وقد تبيّن لاحقا أنّ هذا التقييم كان متسرّعا، ويغلب عليه خطاب الأماني عند من يريد مصلحة سوريا، إذ يُسقط على النظام في سوريا ما يرغب في أن يكون عليه.

لكن مظاهرات يوم 15 نيسان/ أبريل السّلمية الواسعة قدّمت دلائل على عدم صحّة الروايات التي أطلقتها الدوائر الرسمية سابقا حول إطلاق نار متعمّد من المتظاهرين (في مقابل حديث المحتجّين عن تورّط ميليشيات سلطوية في أعمال القتل)، وذلك بعد سقوط عدد كبير من القتلى، حسب بعض التقديرات غير الرسمية أكثر من 200 قتيل نتيجة المواجهة الأمنية الدموية للاحتجاجات حتى أوائل نيسان/ أبريل[2]، وقد ازداد عدد الضحايا بشكل ملحوظ في أحداث يوم الجمعة التي تلت.

في حالة سوريا، كما هي الحال في انتفاضات أخرى في مصر واليمن، كان المسجد المكان الرئيس (ولكنه ليس الوحيد) للتجمع وانطلاق المظاهرات. وعلى اعتبار أن سوريا دولة متعددة الطوائف والمذاهب، فقد تحوّلت هذه الحقيقة إلى موضوع للنقاش لدى النخب السياسية والثقافية في سوريا، وحول محركات التظاهر ودوافعه والجمهور الذي تستهدفه. وظهر للوهلة الأولى أنّ الحركة الاحتجاجية في سوريا هي حراك شارع معيّن وطائفة معينة ضدّ النظام. ومع تصاعد التطوّرات، وامتداد المظاهرات إلى مناطقَ جديدة، ووصولها إلى مناطق تقطنها تركيبات طائفية متعدّدة، ازدادت المخاوف من وقوع عنف طائفي. وقد لمّح النظام إلى ذلك عبر استخدام تعابير مثل “الفتنة الطائفية”. وقوبل استخدام النظام هذه التعابير وتحذيراته من الفوضى، بادّعاء أنّ النظام معنيّ بالتخويف من فتنة طائفية إلى درجة الاستفزاز في بعض الحالات لكي يثبت أنّ الدولة السلطوية وحدها تحافظ على وحدة المجتمع والدولة في سوريا، وأنّ الديمقراطية سوف تؤدّي إلى الفتنة. فما محاذير الوضع الطائفي وتأثيره في سياق الحركة الجماهيرية الصاعدة؟

الطائفية في سوريا.. أسباب بعيدة وقريبة

ليس هذا السّياق مناسبا لمراجعة ظاهرة الطائفية في بلاد الشام، لكن المجتمع السوري ورث ظاهرة الطائفية من التاريخ غير البعيد ومن أزمنة احتكار الشرعية الدينية، واتهام الأقليات المذهبية في دينها، واضطرارها إلى إخفاء شعائرها الدّينية، أي إخفاء هويّتها المذهبية؛ وما أورثه ذلك من روح المظلومية لدى بعض الطوائف، يضاف إلى ذلك الفعل الاستعماري داخل الدولة العثمانية بحجّة حماية الأقليات.

ومع تخطّي هذا الموروث، في إطار بناء الدولة الحديثة، كانت الثورة العربية الكبرى على الحكم العثماني في بلاد الشام المقدّمة لتبلور سوريا الطبيعية ككيان سياسي، حامله الأيديولوجي هو القومية العربية، التي شارك في حملها وبلورتها مثقّفون ومفكّرون من أبناء الطوائف والمذاهب كافة، واستمدت أفكارها من حراك الجمعيات العربية التي نشطت لإنتاج واقع مخالف وقطيعة تاريخية مع الدولة العثمانية، وبناء الدولة العربية المستقلة. وانتصر المجتمع السوري لنفسه مرة أخرى في مواجهة الانتداب الاستعماري الفرنسي، الذي سعى إلى إنتاج كانتونات جغرافية سياسية ببعد طائفي لتقسيم سوريا إلى دويلات، وجاءت الثورة السورية الكبرى رد فعل شعبيا منظّما ضدّ محاولة التقسيم هذه. وتبنّى المجتمع السوري بعدها مبادرات لإنتاج هوية جامعة في ظلّ سياسات التقسيم الفرنسية، التي حاولت عزل المنطقة الساحلية عن سوريا السياسية؛ بذريعة أنها مأهولة من أقلية علوية متمايزة دينياً. وتمت مواجهة هذا الواقع في المؤتمر الذي عقد بقرية القرداحة عام 1936 ضمّ علماء الدين السوريين من مختلف الطوائف، وأصدروا وثيقة اعترفت بالطائفة العلوية، باعتبارها أحد المذاهب الرئيسة للدين الإسلامي في سوريا وليست دينا متمايزا.

واحتفى الشعب السوري، وما زال يحتفل برموز وطنية سورية قومية عربية من كافة الطوائف برزت في تلك المرحلة بوصفها قيادة وطنية وقومية للشعب في سوريا حتى قبل ظهور القومية العربية حزباً وأيديولوجية. فسلطان باشا الأطرش وفارس الخوري وابراهيم هنانو والشيخ صالح العلي ويوسف العظمة هم رموز وطنية عند الشعب السوري بطوائفه كافة.

كان العداء للاستعمار عاملا موحّدا وجامعا لمختلف فئات الشّعب السوري، ومارس دورا في تكوين الهويّة الوطنية، لكنه لم ينتج تكاملا وطنيا جامعا نتيجة الاحتلال، والظروف المعيشة الصّعبة، وضعف الواقع التنموي، وانعزال المدينة في سوريا عن الريف. وبعد الاستقلال ظهرت من جديد قضية بناء الدولة على أسس مدنية، باعتبارها قضية تشكّل تكاملا وطنيا، انعكست آثاره على مجالات عديدة؛ منها التنموية، كتقليص الفروقات المجتمعية والتعليمية، والسياسية، كظهور تنظيمات وطنية جامعة سمحت بتمثيل جميع فئات الشعب وتمثيل المواطنين المنتمين لأقليات دينية ضمن لوائح الأحزاب القومية كحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب القومي السوري، والحزب الشيوعي، إضافة إلى كتلة المستقلّين والعشائر. ولم تظهر إرهاصات فتنة طائفيّة إلاّ في زمن العقيد الشيشكلي[3].

غير أنّ التفرّد في الحكم، وغياب الحرّيات والممارسة الديمقراطية في العقود الأخيرة، ساهم في تكريس الهويات الفرعية وإضعاف مفهوم المواطنة. فقد بدا النّظام كأنه الضّامن الأساسي للأقليات والوحدة الوطنية، وتأزّم الوضع بشكل رئيس بعد مواجهة النظام للتمرّد المسلّح الذي بادرت إليه حركة الإخوان المسلمين في سوريا بداية الثّمانينات، وكانت هذه المرحلة هي الأخطر في تاريخ سوريا الحديث فيما يتعلّق بالتعايش والاندماج الوطني.

وعلى الرغم من استحضار الخطاب الطائفي وتبلوره من قبل الإخوان الذين مرّوا بتحوّل قطبي (نسبة إلى سيد قطب) في تلك المرحلة لم تنشأ حالة اشتباك شعبي على أساس طائفي. ورغم محاولة العديد من التحليلات صبغ النظام القائم في سوريا على أنه نظام أقلية معيّنة، فإنّ بنية النظام المؤسساتية والدستورية في سوريا ليست كذلك، بل هي تعبّر عن واقع سلطوي يقمع أيّ حراك ضدّه من أيّ طرف كان. ولا شكّ أنّ الولاءات العشائرية و المناطقية في قرى منطقة الساحل تلعب دورا في تشكيل قاعدة ولاء للنظام، خاصة في الجيش والأجهزة الأمنية، لكن هذا لا يعني أنه نظام طائفي أو مذهبي؛ فالطوائف كافة تعاني من الاستبداد، كما تعاني المناطق النائية من التفاوت التنموي والتهميش بغضّ النظر عن تركيبها الإثني أو الطائفي. وظلّ النظام يعيش على تحالف مع البرجوازية الخدماتية والعقارية وطبقة التجار في المدن الكبرى، وما زال هذا التحالف “البونابرتي” بين الاستبداد الأمني والسياسي ورأس المال التجاري هو التحالف الذي يحكم سوريا بناءً على صفقات داخلية، وقد همّشت هذه الصفقات ـ التي يعاد تشكيلها بعد كلّ أزمة ـ الجزء المتحرّر سياسيا من الطبقة الوسطى ومثقّفيها، كما أنها تمثلت مؤخّرا في ازدياد نفوذ رجال الأعمال الجدد في المدن الكبرى، والذين يرفعون راية “النيوليبرالية” الاقتصادية والاستبداد السياسي على النموذج التونسي، ويدفعون باتجاه “سوريا أوّلا” وإحياء عملية السلام مع إسرائيل.

و أضيفت، في الفترة الأخيرة، عوامل جديدة خارجية عزّزت المخاوف الطائفية؛ كالتطور السياسي في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، والتمحور المذهبي الذي نتج عنه، إضافة إلى ما تمخّضت عنه النقاشات على الساحة اللبنانية، خاصّة في فترة التوظيف الإقليمي للخطاب الطائفي من قبل ما سمّي بـ”محور الاعتدال” لاستهداف المقاومة في لبنان.

وتشير التقديرات الحالية لتوزّع الانتماءات الدينية في سوريا، رغم أنها غير رسمية، إلى نسبة للأغلبية السنّية تتراوح بين 60 و70% من عدد السّكان، منهم ما نسبته 10 إلى 15% من الأكراد، وتتوزّع النسب الأخرى كالتالي: 10 إلى 15% علويون وأقليات من الشيعة، 8 إلى 10% مسيحيون، إضافة إلى الدروز والإسماعيليّين الذين يشكّلون ما يقارب 5% من عدد السكان.[4] لكن هذا التقسيم ليست له أهمية قانونية؛ فالانتماء المذهبي أو الطائفي في سوريا لا يشكّل منزلة قانونية أو سياسية حاليا، وإن أيّ تحول ديمقراطي في هذا البلد يفترض أن يفصل المذهب والطائفة عن السّياسة، وبهذا المعنى لا بدّ أن يفصل الدين عن الدولة في دولة حديثة متعدّدة المذاهب والطوائف، ومن ثمّ فإنّ التعامل جدّيا مع هذا الإشكال يمثّل التحدي الرئيس الذي يواجه أية حركة ديمقراطية ثورية في سوريا.

الحركة الاحتجاجية ومقولة “الفتنة”

يأخذ البعض على الحركة الاحتجاجية في سوريا أنّ هويتها السياسية غير واضحة، وأنّ “المسجد” يشكّل بؤرة التجمّع ونقطة انطلاق المظاهرات عادة، وأنّ الشارع السوري السني هو من يقوم بها، وأن المشاركة فيها لا تشمل مختلف شرائح المجتمع.

وبغضّ النظر عن دقّة هذه المقولات ـ وبالنظر إلى خصوصية سوريا التي افتقرت إلى أيّ تراث احتجاجي سلمي علني على مدى العقود الثلاثة الماضية، نتيجة التغوّل الأمني وحظر النشاط السياسي ـ فمن الطبيعي النظر إلى المسجد بوصفه مكان تجمّع شرعي في ظلّ النّظم التي تمنع التجمعات. والحقيقة أن التظاهرات انطلقت أيضا من الميادين، رغم الثمن الباهظ الذي دُفع بالدم عند مجرد محاولة التجمع فيها. وفيما يتعلّق بمشاركة المواطنين السّوريين المنتمين لأقليات دينية، فإنّ ندرة المشاركة في البداية طبيعية لأن البداية لا تشمل دائما مؤشرات عن المستقبل؛ فهل تخبئ الثورة ضمانات لبقائهم عنصرا فاعلا في مجتمعهم؟ لكن هذا لا يعني أن هؤلاء المواطنين راضون عن النظام، بل إنهم يريدون وضوحا أكثر بشأن طابع التغيير الذي تحمله الثورة، خاصة أنه لا توجد قيادات واضحة لها، وقد تكون القيادات القادمة التي سوف تبرزها هذه الانتفاضة أكثر ديمقراطية ومدنية من الإخوان المسلمين أو من ظواهر تشدد ديني يروّج لها حاليا مثل السلفيين. أمّا الأسماء المنتشرة ـ والتي تُربط بالمعارضة ـ فهي منفرة لعموم السوريين، سواء كانت أسماء خدّام أو رفعت الأسد أو حتى بعض رموز الإخوان الذين راهنوا على الطائفية والتحالف مع خدام في مرحلة سابقة. ويتبنى هذا الموقف المتردّد الطبقات الوسطى القلقة من المستقبل.

ويظلّ التردد في هذه الحالة أقلّ منه في مصر؛ فخلال الثورة المصرية وجدنا المؤسّسة الكنسية رفضت المشاركة في مظاهرات يوم الغضب، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الشباب المصري القبطي من المشاركة، ثم لعب دورا متقدما خلال الثورة في التصدّي لمحاولة بثّ الفتنة الطائفية التي روّج لها النظام خاصة بعد ظهور معطيات تفجير كنيسة القدّيسين.

أمّا فيما يتعلّق بطرح شعارات طائفية في بعض المظاهرات الأولى، كالتي تناولت حزب الله وإيران، فهي وإن أوضحت جزءًا من الاختلال في تعريف الهوية الوطنية والموقف من النظام كأنه علوي والنظر إلى تحالفاته كأنها طائفية، فإنّ استخدام هذه الشعارات الطائفية ،المسيئة لرافعيها وللشعب السوري، كان طارئا وفي مناطقَ معيّنة بذاتها. لقد تأثّر الشارع آنذاك بمعطيات إعلامية تم إرساؤها لتبرير التدخل الخليجي لقمع المتظاهرين السلميّين في البحرين، وبتركيز الجهات الإعلامية لحزب الله على تناول موضوع البحرين وتجاهل التعاطي مع الاحتجاجات في سوريا. إضافةً إلى مجموعة من الشائعات الكاذبة المغرضة التي ظهرت في الشارع المحتجّ مفادها أنّ عناصر من حزب الله تشارك في قمع التظاهرات التي جرت في درعا، في حين كان بعض المتشددين يحاولون الركوب على موجة الاحتجاجات في مناطقَ معيّنة بريف دمشق.

ويمكن تفسير هذه الحالة أيضا في ضوء تشتّت الشارع ومرحلة إنضاج الشعارات الاحتجاجية، ومن ثم فإنّ الشارع الاحتجاجي ـ الذي بدأ كانتفاضة شعبية في درعا، ولم يطوّر قيادة سياسية قُطرية بعدُ لا يمكن أن يكون منضبطا في مثل هذا النوع من الاحتجاجات؛، لذلك فإنه قد يُنتج أحيانا شعارات طارئة سرعان ما تتلاشى. وهذا هو شأن الشّارع السوري.

كما أنّ التحريض الطائفي وصل إلى مرحلة متقدّمة جدا في مناطقَ تقطنها شرائح متعدّدة، لكنه رغم ذلك لم ينتج بوادر فتنة طائفية مصدرها الأهالي، وما زال النقاش دائرا حول ما جرى في اللاذقية وبانياس في أيام الاحتجاج الأولى. ولكن لا خلافَ حول هوية ما يسمّى بـ”الشبيحة” باعتبارهم فرقا نصف جنائية من الزّعران المقرّبين من رجالات النظام، والذين يعيثون فسادا في المناطق العلوية عادةً حتى امتد نشاطهم إلى بعض المدن الساحلية.

هنالك ذاكرة تاريخية وطنية سورية وقومية عربية ومدنية يمكن استدعاؤها دائما ضدّ الفتنة الطائفية تماما مثلما يمكن استدعاء فكرة الفتنة نفسها. ويبقى التساؤل: ما الهدف السياسي للنظام؟ وما الهدف السياسي لمنظّمي الاحتجاج؟ فمن له مصلحة في الطائفية يؤكّد على بعدٍ قائم في الذاكرة السورية، أمّا مَن يتوق إلى نظام مدني ديمقراطي فمن مصلحته أن يحيي التقاليد العربية السورية المناهضة لأية طائفية.

وفي الختام

يبدو أن أعمال الاحتجاج في سوريا قد وصلت إلى نقطة اللاّعودة. ومن الواضح أن النظام سوف يجد نفسه مضطرا أن يختار ما بين المواجهة الشاملة والإصلاح الشامل، لأنه لا جدوى من الإصلاحات الجزئية التي تساير فئات سكانية بعينها في ظل نظام شبه شمولي قادر على إفراغها من أي مضمون بأجهزته الأمنية وسلطاته غير المحدودة. ولا يعني الإصلاح الشامل إلا أن تتفق النخب الحاكمة مع المعارضة الشعبية والسياسية لتقود عملية تحول ديمقراطي منضبط.

ومن ناحية المعارضة الشعبية، فإن أمامها عملا كثيرا لبلورة قياداتها ورؤاها السياسية، والجمهور جاهز لتقبل طرح مدني ديمقراطي. فقد تعب من الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، ولا يرغب في العودة إليها في ظل مذهبية أو طائفية أو دولة دينية. ويجب بلورة هذه الرغبة سياسيا وفكريا، فيما يتجاوز فكر المعارضات السابقة و منطقها . هذه انتفاضة شعبية يشارك فيها الجميع ولا يمكن القول إنّ أيا من قوى المعارضة المعروفة تقودها.

وكما في مصر وتونس، كذلك في سوريا وليبيا واليمن، ليست الإطاحة بالنظام هدفا قائما بذاته، بل إن الهدف هو بناء الديمقراطية، وما تغيير النظام أو الإطاحة به إلا لكونه العائق أمام التحول الديمقراطي. يكمن التحدي الكبير إذًا في الانتقال إلى الديمقراطية وبلورة الفكر والثقافة اللازمين لذلك في صفوف المعارضة. ولا بد أن يجري ذلك في خضم النضال. هذه الثقافة الديمقراطية ووضوح الرؤية السياسية وبنية النشطاء والقيادات هي الضمان ضد التدهور إلى الاقتتال الأهلي الطائفي وغير الطائفي في الدول المتعددة الهويات، والتي ينتشر فيها الوهم بأن الصراع طائفي، ويبدو فيها النضال ضد النظام أو الدفاع عنه كأنهما جزء من صراع بين جماعات أهلية.

في حالة سوريا، لا بد أن يكون للمعارضة موقف واضح في دعم المقاومة في فلسطين وفي لبنان أيضا، لأن المقاومة في لبنان هي من نقاط التماس الحقيقية القليلة المتبقية للأمة العربية في مواجهة إسرائيل، ولأنها ذخر لسوريا بغض النظر عن طبيعة نظام الحكم فيها. والمقاومة مرادفة للهوية العربية لسوريا، وهي الهوية الضمان التي تحافظ عليها، وعلى المشرق العربي من الفتن الأهلية. وهي أيضا إحدى الأدوات لطمأنة الفئات المدينية الوسطى على مستقبل آمن.

انطلاقا من ذلك فإن المعارضة السورية مطالبة بإنتاج أدبيات واستراتيجيات تساهم في إنتاج تفاعلات جديدة داخل النظام السياسي، والتفكير حول أدوات التحول الديمقراطي في سوريا وأولها المواطنة المتساوية والالتصاق بالشارع ومطالبه، وتجاوز خلافاتها الإيديولوجية والفكرية، وإنتاج حالة معارضة صحّية، خاصة وأنها تمتلك الكثير من النخب والمثقفين القادرين على التماهي مع الحراك الحاصل والحركة الاحتجاجية. تكمن المهمة في تلقف اللحظة التاريخية بإنتاج برنامج سياسي واجتماعي واقتصادي شامل للمطالب المشروعة للشعب السوري. ويساهم في إنتاج مدخلات في بنية النظام السياسي تجبره على الالتزام بالتغيير وإنتاج عملية التحول الديمقراطي بمختلف الأساليب وبالصيغة التي ينتجها الشارع السوري، باعتباره الآن الفيصل وصاحب الكلمة الأخيرة في فرض المعطيات على أرض الواقع.

* هذه الورقة هي حصيلة تفاكر ونقاش جماعي لباحثي المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

——————-

  • [**] راجع: عزمي بشارة، المجتمع المدني: دراسة نقدية، مع إشارة للمجتمع المدني العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997).
  • [1] ـ الأخبار في 16/4/2011.
  • [2] The Guardian. Syrian soldiers shot for refusing to fire on protesters. 12/4/2011. http://www.guardian.co.uk/world/2011/apr/12/syrian-soldiers-shot-protest
  • [3] ـ عندما قام أديب الشيشكلي في أوائل الخمسينات بضرب الدروز في جبل العرب واتباع سياسات قمعية ضد العلويين في الساحل.
  • [4] ـ لا يوجد في سوريا إحصاء رسمي على أساس الانتماء الديني إلا إحصاء عام 1985 على الشكل الآتي: 76.1 % مسلمون سنة، 11,5 % مسلمون علويون، 3% دروز، 1% إسماعيليون، 8 % مسيحيون.
عرض مقالات ذات صلة
Load More By ياسر الغرباوي
Load More In دراسات وأبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بامكانك الاطلاع على

مثلث القوة الإقليمي.. تحالف غائب بين مصر وإيران وتركيا

العربي الجديد ياسر الغرباوي في كتابه “نحن و أبعادنا الأربعة” شرح الدكتور جمال …